سرمد.. مع إصداراتها الأربعة

بدأت التجربة الأدبية للكاتبة سرمد علي البن صالح من خلال إصدارها الأول (قصة أمل) بالتعاون مع الكاتبة / ميثاق أحمد العيثان، الصادر في طبعته الأولى عام 1437هـ / 2016م. وقد ورد في التمهيد: «هذه القصة مشتقة من الواقع بنسبة كبيرة، وربما يوجد بها بعض المقاطع الخيالية التي لا تمت إلى الواقع بصلة».
تتميّز القصة بجاذبيتها، رغم أن أسماء الشخصيات قد تكون غير مألوفة، إلا أنها تشدّ القارئ من فصل إلى آخر بسلاسة، وتمتزج فيها ملامح الألم والصعوبات، والمواقف المؤلمة. ومن أبرز المقاطع المعبرة: «انتهى هذا اليوم بمعاناة شديدة في تقبّل الأمر بالنسبة لي. كنت في صراع بين عقلي وقلبي لتقبل هذا الموضوع عدت إلى المنزل، وبدأت بالبكاء الشديد علّني أخفف من ألمي وحزني الداخلي، فهو حزن مكبوت منذ ساعات طويلة».
«صرخت مرارًا وتكرارًا، مناديه بذلك الاسم الذي لم يستطع لساني التوقف عن ذكره». ومع مرور الوقت، افترق طريق سرمد وميثاق، لتبدأ سرمد رحلتها المستقلة بعد نضج التجربة، وراحت تقرأ كثيرًا، وتفكر بإصدار خاص بها. جمعت خواطرها المبعثرة لتخرج بعمل جديد بعنوان (قبيل النوم كنتُ أتحدث)، صدر في طبعته الأولى عام 1443هـ/ 2022م.
قالت في مقدمة الكتاب: «في هذا الكتاب يوجد ما يشبهني، أو ربما كان كذلك… عن مشاعر مجهولة السبب، أو معلومة. قبيل النوم كنت أتحدث لنفسي لساعات، وإذا بهذا الحديث يتشكّل على هيئة خاطرة غير عابرة. تبقى العِبرة دوماً في قلب صاحبها».
من نصوص الكتاب: نضال لا ينضب! أشرقت الشمس بعد مغيبها بالأمس. كنتُ أنا كذلك، أعاود المحاولة بإصرار بعد إحباطي بساعات…أو ربما دقائق. ** أستيقظ بإرادة جديدة، بعد أن يخالجني النوم من شدة الحزن في الليلة الماضية.
** أكتب حين حزني، أكتب حين سعدي، أكتب حين لا يوجد أحد بقربي، أكتب على السرير قبيل النوم، أكتب في كل حين…أشعر حقًا بأن الكتابة متنفس مريح.
وبعد الجهد المبذول في إصدار الكتاب الثاني، جاء العمل الثالث مختلفًا، يحمل في طيّاته الذكريات والتجارب مع الحياة، والأصدقاء، والزملاء، والواقع اليومي عبّرت في مقدمة الكتاب: «خوفًا من فقدان هذه الذكريات، فرّغت أغلبها في طيّات أوراقي. من المضحك قول هذا، ولكنني أظن أنه من الممكن إنشاء دستور في نهاية المطاف. أردت أن أشارك العالم بعضًا من الأيام والذكريات المكدّسة لدي هنا. ربما بعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب، ستمضون في فهم فلسفتي لكلمة ذكريات، وتصبح كلمة مميزة لا تخبو عن أذهانكم في كل موقف وكل لحظة».
من نصوص هذا العمل: بلمح البصر تولد الأمور: «الحياة تمضي، وما مضى من الوقت لن يعود. بعد مضي الأيام، ودون أن نلاحظ، مضت أعمارنا. أطفال كنا، نتسابق على قطعة حلوى الشهية، نبكي حين نُمنع من شراء دمية مختلفة قليلاً عن التي نمتلكها، نشوة السعادة تغمرنا قدوم برنامجنا الكرتوني المفضل على التلفاز. متى أصبحنا على علو شاهق من جبال العمر؟ أيها الوقت تمهّل! فقط ابقَ أكثر قليلاً».
وفي سردٍ قصصي آخر، قالت: «هذا ما خطر ببالي اليوم بعد محادثة عميقة مع جيني التي جاءت إلى منزلي لإنهاء بعض الفروض المدرسية والاستمتاع بما تبقى من الوقت. وفي تلك اللحظة، بادرت والدتي باصطحابنا إلى أحد المقاهي لشراء المشروبات والحلويات. كالعادة، لم يستطع الصمت التسلل إلى حديثنا، ولا الكتمان أن يسري في عروقنا. تشاركنا الكثير من الأحاديث الطريفة، متناسين الواجبات المتراكمة».
جاء الإصدار الرابع مختلفًا من حيث الحجم والطباعة والإخراج الفني، وكان بعنوان (تباينت بعد إشراقها)، وصدر بطبعته الأولى عام 1446هـ / 2025م. رواية بطابع عالمي، تتسم بالمغامرة والتشويق، وكأنك أمام فيلم سينمائي مكتوب. عكست الرواية تطور سرمد في أسلوب السرد، وحسن التنقل بين الأحداث، وقدرتها على صناعة جو مشوّق وزمني متسلسل بدقة.
من فصول الرواية: الثالث والعشرون من يناير – جودي «على مكتبي المنظم أنتهي من استذكار المحاضرات المتراكمة والمؤجلة حل الغروب بالفعل، أمسك مذكرة التخطيط الخاصة بي، أضع علامة بالمحدد الزهري التي تشعرني بالإنجاز للانتهاء من معظم أعمال اليوم أخرج تنهيدة باردة وأطفئ بذلك شمعتي الموجودة على المكتب، أمسك بالهاتف لأتصفح دور النشر الخاصة بالكتب، أبتسم لحقيقة أنني اقتربت من امتلاك المبلغ كاملا لتوثيق حلمي على رفوف المكتبات.. أومئ برضا… أذهب للبحث عن آرون فلست أسمع صدى فوضاه المعتادة في الأرجاء هذا الفتى الفوضوي ترك المطبخ بفوضى عارمة أين هو؟ أتذكر أنه في اجتماع عمل مهم من أجل فرصة الحصول على ترقية أو شيء من هذا القبيل.. لكن الليل قد حلّ، أهم بتشغيل بعض الموسيقى وتنظيف كومة القذارة التي يراها آرون بعينيه فنا.. بقايا قشور البرتقال، وبعض من المعكرونة المتيبسة في الجدر.. مخلفات الشعرية سريعة التحضير، وخبر جاف، طن كبير من المواعين دون تنظيف، أرفع شعري استعدادًا للحرب، أبادر بوضع الأمور في نصابها الصحيح، أستغرق ساعتين بالتمام لإنهاء هذه الطقوس، أعد الكعكة التي يحبها آرون الذي أخبرني أنه قد نجح في المفاوضة وأصبح في منصب مرموق، أشعل الشمعة وأترقب وصوله».
رغم أنني لم أكن ممن يهوى الرواية سابقًا، إلا أنني، ومن خلال متابعة إصدارات بعض الكتّاب الجدد، لا سيّما من الأصدقاء أو الأقرباء، بدأت ألمس عمقًا في التجربة والتعبير، وأجد في بعض العبارات والقصص ما يُشبهني، أو يُعبّر عن حالتي أو مواقف مررت بها في حياتي.
ختامًا، نتمنى للكاتبة سرمد دوام التوفيق والنجاح في إصداراتها القادمة، وأن تستمر في شقّ طريقها في عالم الكتابة، وأن تُسقط ما يدور في فكرها وقلبها على صفحات الكتب، لتثري بها مجتمعًا يزداد وعيًا وثقافة، في ظل نهضة أدبية متواصلة، ومعارض كتاب، ومنصات نشر وتسويق إلكتروني واعدة.





