إدارة المخاطر والتغيير في حكمة الإمام علي عليه السلام

علي محمد اللويم -

تُعد مقولة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: (عاصٍ يقر بذنبه خير من مطيع يفتخر بعمله) من أعظم النصوص التي تحمل أبعاداً تنظيمية وعميقة تفوق الأفق الأخلاقي المحض؛ لتلامس جذور العلوم الإدارية الحديثة.
فعلى الرغم من أن السياق الظاهري للأثر يدور في فلك السلوك الإنساني والأخلاقي، إلا أنه يعكس ببراعة فائقة فلسفة متقدمة في إدارة المخاطر (Risk Management) وإدارة التغيير (Change Management)؛ إذ يقدم رؤية ثاقبة حول كيفية التعامل مع الأخطاء، وكبح الغرور التنظيمي، وبناء ثقافة مؤسسية مرنة وقابلة للتطور.

*أولاً: أبعاد إدارة المخاطر: الاعتراف بالخطأ كأداة للتحكم في المخاطر الكامنة*
في علم إدارة المخاطر الحديث، يُعد “الإنكار” أو “العمى التنظيمي” أكبر خطر يمكن أن يواجه أي كيان أو مشروع. عندما يقع خطأ ما وتتم تغطيته أو إنكاره، فإن الخطر يتضخم في الخفاء حتى يتحول إلى كارثة هيكلية.
العاصي الذي يقر بذنبه يمثل في الفكر الإداري الموظف أو القيادي الذي يمتلك الشجاعة للاعتراف بالانحراف عن المسار أو الخلل في الأداء فور حدوثه. هذا الإقرار المبكر يمثل إنذاراً مبكراً (Early Warning System) يتيح للإدارة التدخل السريع واحتواء الأزمة قبل تفاقمها.
في المقابل، يمثل “المطيع الذي يفتخر بعمله” خطر التراخي (Complacency). فالشعور المطلق بالصواب والكمال يعمي الأفراد عن رؤية الثغرات والمخاطر المحتملة. الغرور بالنجاح السابق هو العدو الأول لاستمراريته، وغالباً ما تقود ثقافة “نحن لا نخطئ” إلى انهيارات مفاجئة لعدم وجود استعداد حقيقي لمواجهة الإخفاقات.

*ثانياً: أبعاد إدارة التغيير: التغلب على مقاومة التغيير والجمود التنظيمي*
تعتمد نجاحات المؤسسات على قدرتها على التطور المستمر، وهنا تلعب إدارة التغيير دوراً محورياً في كسر الجمود الفكري والثقافي داخل المؤسسة.
التغيير الحقيقي لا يبدأ إلا من نقطة الاعتراف بالحاجة إليه (Sense of Urgency). الشخص الذي يقر بذنبه يمتلك مرونة عقلية (Mindset Flexibility) وقدرة على تقبل النقد وتقييم الذات، وهما الركيزتان الأساسيتان لقبول التغيير والتعلم المستمر (Continuous Learning). من لا يعترف بخطئه لا يمكنه أبداً أن يتغير نحو الأفضل.
إن الافتخار المطلق بالعمل (الذي يصل حد الاستغراق في الرضا عن النفس) يغذي مقاومة التغيير (Resistance to Change). عندما تظن المؤسسة أو الفرد أن أسلوبهم الحالي مثالي ولا تشوبه شائبة، فإنهم يرفضون أي تطوير أو تحديث، مما يقودهم بمرور الوقت إلى التقادم والعزل التنظيمي.

*الخلاصة الإدارية*
تؤكد هذه الحكمة العميقة أن الوعي بالقصور والانكسار الواعي أمام الأخطاء (المتمثل في إقرار العاصي بذنبه) يفتح باباً واسعاً للإصلاح والنمو وإدارة المخاطر بحكمة؛ لأنه يبقي الأبواب مفتوحة للتقويم والتعديل. بينما الزهو بالنجاح والتعالي على الأخطاء (المتمثل في افتخار المطيع بعمله) يُعد بيئة خصبة للمخاطر الخفية والجمود الذي يقوض فرص التطور المستدام. وبذلك ترسم الحكمة خارطة طريق إدارية تُعلي من شأن الشفافية والتواضع التنظيمي كأهم أدوات البقاء والنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى