الأنتروبيا… حين تتسلل فوضى الكون إلى داخلنا

في كثير من الأحيان نظن أننا منفصلون عن الواقع وأن بإمكاننا أن نقف على مسافة آمنة منه نراقبه دون أن يمسنا أو نهرب منه حين يثقل علينا لكن الواقع لا يلبث إلا أن يعيدنا إليه وكأنه يذكرنا في كل مرة بأننا جزء من هذا العالم ولسنا خارجه
نحن نهرب من الواقع لأننا نراه فوضويًا متقلبًا عصيًا على الفهم الكامل فالحياة لا تسير دائمًا وفق ما نخطط له والأحداث لا تأتي بالترتيب الذي نريده واليقين الذي نبحث عنه كثيرًا ما يتبخر أمام مفاجآت الأيام وربما لهذا السبب نشعر أحيانًا بأن العالم بأسره يسير وفق قانون خفي من العشوائية أو ما يسميه العلم بـ “الأنتروبيا” ذلك الميل الطبيعي للأشياء نحو الفوضى والتبعثر
فالفوضى ليست استثناءً في هذا الكون بل هي حالته الأكثر احتمالًا الأشياء تُترك فتتبعثر والعلاقات تُهمل فتبهت والأفكار تُترك دون مراجعة فتتشابك وتتعقدوالنظام على العكس يحتاج إلى جهد دائم ووعي مستمر وإرادة لا تتوقف عن إعادة الترتيب
غير أن أخطر أنواع الفوضى ليست تلك التي تحيط بنا في العالم الخارجي بل تلك التي تتسلل بصمت إلى دواخلنا
حين نسمح للعشوائية أن تستقر في أفكارنا نصبح تدريجيًا تحت تأثيرها تتراكم المشاعر غير المفهومة وتتكدس الأسئلة المؤجلة وتتعاظم المخاوف غير المعالجة حتى يتحول العقل إلى مساحة مزدحمة يصعب ترتيبها أو حتى فهمها وكلما ازدادت الفوضى الداخلية أصبح احتواؤها أكثر صعوبة تمامًا كما أن الغرفة التي تُهمل طويلًا تحتاج إلى جهد مضاعف لإعادتها إلى نظامها الأول
ولهذا فإن الهروب من الواقع لا ينجينا منه بل قد يزيد من حدة فوضانا الداخلية فكل ما نهرب منه اليوم سنواجهه غدًا بصورة أكثر تعقيدًا والمواجهة مهما كانت مؤلمة تظل أكثر رحمة من تراكم الفوضى في أعماقنا
إن الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض لم يكن في صراع مع الفوضى الخارجية فحسب بل مع فوضاه الداخلية أيضًا؛ مع خوفه، وقلقه وتشتت أفكاره ومحاولاته الدائمة لصناعة معنى وسط هذا الكون المتغير
إن الفوضى جزء أصيل من هذا الكون لكن الإنسان لم يُخلق ليستسلم لها بل ليمنح الأشياء معنى ويرتب داخله باستمرار حتى لا تتحول عشوائية العالم إلى عشوائية في الروح ومن هنا فإن وعينا بوجود الأنتروبيا لا يعني الاستسلام لها بل إدراكها ومقاومتها فلا ينبغي أن نسمح للفوضى بأن تسيطر علينا وعلى تفاصيل حياتنا فتستنزف طاقتنا وتثقل أرواحنا لأن الإنسان حين يستسلم للعشوائية الداخلية يفقد تدريجيًا قدرته على الرؤية الواضحة ويغدو أسيرًا للتشتت والإنهاك النفسي لذلك فإن إعادة ترتيب أفكارنا ومراجعة ذواتنا بين الحين والآخر ليست مجرد رفاهية بل ضرورة تحمينا من أن تتحول الفوضى إلى أسلوب حياة .




