جيلٌ يتغيّر..ومنبرٌ يتنفس من جديد

منهال الجلواح -

لم يعد الحديث عن المنبر الحسيني يبدأ من التاريخ، ولا من الكتب، ولا من السرديات المألوفة. يبدأ من وجوه الشباب، من قلقهم، من محادثاتهم القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، من صمتهم الطويل أمام أسئلة لا يملكون لها إجابات. يبدأ من عالمٍ يركض بسرعة، ومن جيلٍ يحاول أن يلحق بنفسه قبل أن يلحق بالآخرين.في هذا العالم المتحوّل، لم يعد السؤال: هل نحتاج التجديد؟
بل أصبح: كيف يمكن للخطاب الحسيني أن يرافق إنسان اليوم دون أن يفقد روحه؟
المنبر الحسيني… حين يصبح مرآة للإنسان لا للتاريخ فقط المنبر الحسيني ليس حدثًا تاريخيًا يُستعاد، بل لغة إنسانية تُعاد صياغتها مع كل جيل. قيمه ثابتة، لكن طريقة تقديمها لا يمكن أن تبقى جامدة. فالشباب اليوم لا يبحثون عن خطاب يعلو فوق رؤوسهم، بل عن خطاب يجلس بجانبهم، يسمعهم، ويفهم ما يدور في داخلهم.علم الاجتماع يؤكد — كما في أطروحات بيتر بيرغر — أن الخطاب الديني الذي لا يتفاعل مع المتغيرات يفقد تأثيره تدريجيًا، مهما كانت قدسيته. وعلم النفس الاجتماعي يضيف أن الإنسان المعاصر لا يتأثر بالوعظ المباشر، بل بالخطاب الذي يلامس تجربته الشخصية ويقدّم له معنى في عالم مضطرب.
أسئلة الشباب… البوصلة الجديدة للخطاب الحسيني
جيل اليوم لا يسأل الأسئلة القديمة. أسئلته أكثر حدة، أكثر واقعية، وأكثر ارتباطًا بتجربته اليومية:
أسئلة الهوية
«ليش أحس إني مو فاهم نفسي؟»
«هل لازم أكون نسخة من توقعات المجتمع؟»
أسئلة الإيمان واليقين
«كيف أكون قريب من الله وأنا غارق في ضغوط الحياة؟»
«هل الشك مرحلة ولا مشكلة؟»
أسئلة العلاقات
«ليش العلاقات صارت هشة؟»
«كيف أوازن بين قلبي وكرامتي؟»
أسئلة النجاح والضغط
«هل لازم أكون الأفضل دائمًا؟»
«كيف أتعامل مع مقارنة نفسي بالآخرين؟»
أسئلة المعنى
«وش معنى الصبر اليوم؟»
«كيف أعيش قيم الحسين في بيئة عمل تنافسية؟»
هذه الأسئلة ليست هامشية، بل جوهرية. وهي التي يجب أن يلتقطها المنبر الحسيني ليبقى قريبًا من الإنسان.
وسائل التواصل الاجتماعي… الساحة الجديدة للوعي والضياع
معًالا يمكن الحديث عن الشباب دون الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه المنصات أصبحت مصدرًا للمعرفة ومساحة للتعبير وساحة للمقارنة بل أصبحت بيئة لصناعة القلق ومختبرًا لتشكيل الهوية. الشاب اليوم يسمع الخطيب، ثم يفتح هاتفه ليجد ألف خطاب آخر يناقضه أو يفسّره أو يشكّك فيه. وهنا يصبح المنبر الحسيني أمام تحدٍ جديد:
كيف ينافس هذا الضجيج؟ وكيف يقدّم خطابًا قادرًا على الصمود أمام سرعة المحتوى؟التجديد هنا لا يعني التنازل عن العمق، بل تقديم العمق بلغة يفهمها جيل السرعة.
لغة قصيرة، واضحة، إنسانية، واقعية… دون أن تفقد روحها.
لماذا أصبح التجديد ضرورة لا خيارًا؟
لأن الإنسان تغيّر.
ولأن العالم تغيّر.
ولأن المنبر الحسيني — بطبيعته — خطاب إنساني حيّ، لا يمكن أن يبقى في مكانه بينما الناس يتحركون.
التجديد ليس خروجًا عن الأصالة، بل عودة إلى جوهرها:
إلى العدل، والكرامة، والحرية، والإنسانية…
لكن بلغة تُفهم، وتُحسّ، وتُعاش.
التجديد في الأطروحات الحسينية ليس مجرد «ضرورة» ولا مجرد «احتياج».
إنه مسؤولية تجاه الجيل الجديد،
وواجب تجاه القيم التي نحملها،
وفرصة لصناعة خطاب حسيني قادر على أن يكون نورًا في زمن كثرت فيه الظلال.فالمنبر الذي حمل صوت الحسين عبر القرون… قادر اليوم أيضًا أن يحمل صوت الإنسان، إذا اختار أن يسمعه.

همسة للخطباء
همسة… لا تُقال من فوق المنبر، بل من قلبٍ يعرف قيمة الكلمة حين تُقال في وقتها.
أيها الخطباء…
إنّ الشباب اليوم لا ينتظرون خطابًا يعلو عليهم فقط، بل صوتًا يمشي معهم.
لا يريدون فقط تاريخًا محفوظًا، بل معنى يعيشونه.
لا يبحثون عن عظات، بل عن يد تمتدّ إليهم في زحمة الأسئلة.
جدّدوا…
ليس لأن الزمن تغيّر، بل لأن الإنسان تغيّر.
ولأن الحسين — عليه السلام — لم يكن يومًا صوت الماضي، بل صوت الإنسان في كل زمان.
جدّدوا…
لأن المنبر الذي حمل دمعة الأمهات، ووجع المظلومين، وقلق الباحثين عن الحق…
قادر اليوم أن يحمل قلق الشباب، وتعبهم، وتشتتهم، وأسئلتهم التي لا تنتهي.
جدّدوا…
فالمنبر الذي لا يتجدّد… يتوقّف.
والمنبر الذي يتوقّف… يفقد أجمل ما فيه.
همسة لا تُطالبكم بالتغيير، بل تستأذنكم أن تفتحوا نافذة جديدة يدخل منها نور الحسين إلى قلوبٍ تبحث عنه ولا تعرف الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى