الحلقة المفقودة ..

ماجد الغامدي -

في كرة القدم الحديثة صرنا نملك مدربًا يعرف التكتيك، ومحللًا يقرأ الأرقام، ومعدًا بدنيًا يضبط الأحمال. لكن بين هذا العمل الفني وبين اللاعب، توجد فجوة صامتة اسمها الإدارة. ليس الإداري الذي يوقع العقود ويحجز الفنادق، ويرفع القائمة ، بل الإداري الذي يقرأ العيون. الذي يفهم لماذا انخفض مستوى لاعب بعد مباراة، ولماذا انفجر آخر في غرفة الملابس، ولماذا صار الثالث يلعب وهو شارد الذهن.

الحلقة المفقودة اليوم ليست في الملعب، بل خارجه. هو ذلك الإداري الذي يشعر بشعور اللاعب قبل أن يتكلم. يفهم أن اللاعب بشر قبل أن يكون رقمًا في التشكيل. اللاعب قد ينهار لأنه لم يرَ والده او والدته منذ ولادته ، وقد يفقد تركيزه لأن راتبه تأخر، وقد يتهور في الملعب لأنه شعر بالظلم من قرار فني صغير لم ينتبه له أحد. هنا لا ينفعك أفضل الاستراتيجيات التكتيكية ، لأن المشكلة ليست في الرسم الخططي، بل في الروح التي تنفذ الرسم.

المدرب يطلب من اللاعب أن لا يفكر إلا بالقرار الصائب داخل الملعب. لكن كيف تطلب منه صفاء ذهن وهو يحمل همومًا لم يسمعها أحد؟ كيف تريده أن يضغط تسعين دقيقة وهو مضغوط نفسيًا خارج التسعين؟ العمل الفني يضع الخطة، لكن العمل الإداري هو الذي يهيئ الأرضية لتنفيذها. الإداري الناجح هو الذي يستبق ردات الفعل السلوكية، لا الذي يعالجها بعد أن تحدث. يعرف أن هذا اللاعب يحتاج كلمة قبل المباراة، وأن الآخر يحتاج أن يُترك وحده، وأن الثالث يحتاج أن يشعر أن النادي عائلته لا شركته.

الكيانات المحترفة فهمت هذا مبكرًا ، أن تفهم الإنسان الذي يرتدي القميص. أن تلبي احتياجاته الصغيرة التي تمنعه من التفكير في غير الكرة. سكن مريح، عائلة مستقرة، ضائقة مالية تُحل بصمت، مشكلة تُقتل قبل أن تكبر. هذه التفاصيل لا تظهر في الإحصائيات، لكنها تظهر في الالتحام، في الارتداد، في الدقيقة التسعين حين يركض لاعب وهو منهك لأن ذهنه مرتاح.

نحن ما زلنا نفصل بين الإداري والفني بجدار سميك. المدرب في وادٍ، والإداري في وادٍ آخر. المدرب يشتكي أن اللاعب لا ينفذ، والإداري يقول “هذا شغلك”. والحقيقة أن اللاعب ضائع بين الاثنين. هو يحتاج جسرًا، يحتاج مترجمًا، يحتاج من يخبر المدرب أن هذا النجم متوتر بسبب ظرف عائلي، ويخبر اللاعب أن المدرب غاضب منه لمصلحته لا كرهًا فيه. هذا الجسر هو الإداري الذي يفهم السلوك، لا الذي يحفظ اللائحة.

التميز الحقيقي للأندية لن يأتي بمدرب عبقري ، ولا بلاعب موهوب . سيأتي حين تلتحم المنظومة. حين يكون الإداري هو رئة الفريق التي تتنفس بها غرفة الملابس. حين يشعر اللاعب أن خلفه إدارة تفهمه قبل أن تحاسبه، تحتويه قبل أن تعاقبه، تسمعه قبل أن تطلب منه. حينها فقط، سيخرج للملعب وهو لا يحمل إلا همًا واحدًا: كيف أنفذ القرار الصائب. وما عدا ذلك، تكفلت به إدارة تفهم أن كرة القدم تُلعب بالعقول المرتاحة قبل الأقدام الموهوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى