«الوقوف مع الحق… شرف لا يمنحه الله لذليل»

منهال الجلواح:
في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات، وتتشابك فيه المصالح، ويضيع فيه البصر قبل البصيرة، يبقى الوقوف مع الحق موقفًا نادرًا، لا يقدر عليه كل أحد. فالحق ليس مجرد فكرة تُقال، ولا شعار يُرفع، بل هو امتحانٌ للروح، وميزانٌ للكرامة، وطريقٌ لا يسلكه إلا من امتلك قلبًا لا يعرف الانحناء. ولهذا كان الوقوف مع الحق شرفًا، لا يمنحه الله لذليل.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ فالقوامة بالعدل ليست مجرد فضيلة، بل تكليفٌ إلهي لا ينهض به إلا أصحاب النفوس الحرة.
الذليل لا يقوى على مواجهة التيار، ولا يستطيع أن يرفع رأسه أمام الباطل، لأنه اعتاد أن يعيش في الظلال، وأن يساوم على مبادئه، وأن يبيع صوته لمن يدفع أكثر. أما صاحب العزة، فهو الذي يدرك أن الحق أثمن من أن يُقايض، وأكبر من أن يُخضع، وأقدس من أن يُساوَم عليه. العزة ليست صلابة الجسد، بل صلابة الموقف.
يقول ابن خلدون في مقدمته إن الظلم مؤذن بخراب العمران، وهي إشارة عميقة إلى أن المجتمعات التي لا يقف فيها أهلها مع الحق، ولا يواجهون الظلم، تتآكل من الداخل قبل أن تسقط من الخارج. فالحق ليس شأنًا فرديًا فقط، بل هو أساس استقامة الأمم.
ولعل الواقع الاجتماعي اليوم يقدم لنا أمثلة كثيرة لهذا المعنى. فحين يبدأ البعض في الحديث عن شخص غائب، يكررون أخطاءه ويعيدون صياغة عثراته، ينهض شخص في زاوية المجلس ويقول: “إن كان مخطئًا فالنصيحة تُقال له، لا عنه… والغيبة لا تُصلح قلبًا ولا تُنصف غائبًا”. تتوقف بعدها الكلمات، ليس لأن صوته أعلى، بل لأن صدقه كشف هشاشة ما كانوا يفعلون، ولأن الحق حين يُقال بصدق يفرض احترامه دون صراخ وضجيج.
وفي أحد البيوت، بعد وفاة الأب الذي كان عامود لتلك الخيمة التي تُمسك الجميع وتظلهم، اجتمع الإخوة الذكور على إخفاء أوراق تتعلق بالميراث حتى لا تطالب أخواتهم بحقهن. كانت الأخوات ينظرن إلى الأرض واخترن الصمت، لا لأنهن ضعيفات، بل لأن الخذلان ( في هذه الحالة) أثقل من أي كلام. وفي لحظة صادقة، وضع عمّهم نسخة من الأوراق أمام الجميع وقال: “أبوكم كان يقول دائمًا: البنات مثل العيون… لا تُنتزع. ومن ينتزع حقّهن، ينتزع إنسانيته أولًا”. لم يكن يبحث عن خلاف، لكنه لم يقبل أن تُظلم بنات أخيه في بيتٍ كان العدل فيه وصية لا تُنسى.
وفي بيئة العمل أتذكر هذا الموقف الذي يعود لأكثر من ثمانية عشر عاما، حينما حاول أحد المدراء من (إحدى الجنسيات العربية) أن يلصق خطأً بموظف جديد لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه، وقف أحد الزملاء الذي أعطاني درسًا لن أنساه ماحييت وقال: “لن أسمح أن يبدأ هذا الرجل حياته المهنية بظلم”. تحدّى المدير وانطلق لأكبر رجل في الهيكل التنظيمي ليظهره على الحقيقية رغم معرفته السابقة بإنه ربما يُفصل من وظيفته بسبب وجود علاقة نسب بين المدير والشخص المسؤول.
زميلنا لم يكن يملك سلطة، لكنه امتلك ضميرًا جعل الجميع يعيد حساباته.وأنقذ إنسانًا من بداية مكسورة، وأعاد تعريف معنى الزمالة والإنصاف.
هذه المواقف ليست بطولات، بل لحظات إنسانية صادقة، تُظهر أن الوقوف مع الحق ليس صخبًا، بل وقفة واحدة في الوقت الصحيح، من أجل إنسان قد لا يعرف حتى أنك دافعت عنه.
الوقوف مع الحق ليس بطولة لحظية، بل هو مسار طويل من الوعي، والصدق، والقدرة على تحمّل تبعات الاختيار. فكم من إنسان عرف الحق لكنه خاف، وكم من آخر رأى الظلم لكنه صمت، وكم من ثالث أدرك الحقيقة لكنه فضّل السلامة على الكرامة. هؤلاء جميعًا لم يُحرموا من رؤية الحق، بل حُرموا من شرف الوقوف معه.
يشير عالم النفس الشهير فيكتور فرانكل إلى أن الإنسان لا يجد معنى وجوده إلا حين يختار موقفًا أخلاقيًا في مواجهة ما يهدده. وهذا المعنى ينسجم تمامًا مع فكرة أن الوقوف مع الحق ليس رفاهية، بل هو لحظة يكتشف فيها الإنسان ذاته الحقيقية.
إن الله لا يمنح هذا الشرف إلا لمن يستحقه؛ لمن يملك قلبًا حرًا، ونفسًا لا تُشترى، وضميرًا لا ينام. فالحق يحتاج إلى رجال، لا إلى متفرجين. يحتاج إلى من يرفع صوته حين يصمت الجميع، وإلى من يخطو خطوة واحدة في طريقه، حتى لو سار وحده.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ وهي آية تقطع بأن الصمت عن الظلم ليس حيادًا، بل مشاركة فيه.
ولعل أعظم ما في الوقوف مع الحق أنه يحرر الإنسان من خوفه، ومن ضعفه، ومن حساباته الصغيرة. إنه يضعه في مواجهة ذاته أولًا، ثم في مواجهة العالم. ومن انتصر على نفسه، لن تهزمه جموع الباطل مهما علت.
في النهاية، يبقى الحق ثابتًا لا يتغير، ويبقى الشرف قيمة لا تُمنح إلا لمن عرف كيف يصونها. أما الذليل، فحتى لو عرف الطريق، فلن يملك الشجاعة ليمشيه. وهكذا يظل الوقوف مع الحق شرفًا… شرفًا لا يمنحه الله لذليل.




