حين يسكننا ما لا يشيخ

هناء الخويلدي -

ليست الذاكرة أرشيفًا للأحداث ولا سجلًا زمنيًا لما وقع ثم مضى بل كيانًا داخليًا معقّدًا يسكننا بقدر ما نسكنه ويعيد تشكيل وعينا بأنفسنا والعالم لا وفق ما كان بل وفق ما ترسّخ فبعض الأشياء لا تبقى في الذاكرة لأنها حدثت بل لأنها وجدت فينا موضعًا للثبات أحداث كثيرة مرّت ثم انطفأت وأخرى ظلّت لا لشدّتها بل لعمق اتصالها بجوهرنا كأنها لم تكن عابرة في الزمن بل مقيمة في المعنى

قِدم الذاكرة ليس علامة تآكل بل دليل رسوخ فالزمن لا يمرّ فوق الذكريات العميقة ليبهتها بل يمرّ بها ويعيد تنقيتها حتى تغدو أقل ازدحامًا بالتفاصيل وأكثر كثافة بالدلالة
وما ينجو من هذا العبور الطويل لا ينجو صدفة

ما هو قديم في الروح لا يُقمع عبثًايُقمع لأنه حيّ ولأن حضوره يربك الحاضرويفضح هشاشته ويذكّره بأن ما نعيشه الآن ليس بالضرورة ما نحن عليه حقًا فالذاكرة العميقة لا تتوافق دائمًا مع متطلبات اللحظة ولا تخضع لإيقاعها السريع ولهذا تُهمَّش أحيانًا لا لأنها ضعيفة بل لأنها صادقة أكثر مما يحتمل الواقع ومع ذلك تظلّ تشعّ لا بسطوع اللحظة العابرة ولا بضجيج الاستعادة المباشرة بل بعمق المعنى الذي لا يخفت إشعاعها بطيء هادئ لكنه ثابت كأنه ضوء داخلي لا يُرى بل يُشعَر به

ربما جمال الذاكرة اليوم لا يكمن في شكلها الأول ولا في دقّة صورها بل في كونها نجت من التعاقب من كونها الشيء الوحيد الذي لم يستطع الزمن أن ينزعه منك ولا أن يعيد تشكيله بما يخدم النسيان فالزمن قادر على تغيير كل شيء إلا ما تحوّل في الداخل إلى معنى

الذاكرة القديمة لا تذكّرنا بما كنّا فحسب بل تكشف لنا مالم نتوقّف يومًا عن كونه حتى ونحن نتغيّر حتى ونحن نبتعد حتى ونحن نعتقد أننا تجاوزنا هي لا تستدعينا إلى الوراء بل تعيدنا إلى العمق وفي عالم يُكافئ السرعة ويمجّد الجديد لمجرد حداثته تصبح الذاكرة فعل مقاومة هادئ وتمسّكًا بما هو إنساني فينا بما لا يُستبدل ولا يُختصر ولا يخضع لقوانين الاستهلاك الزمني فالذاكرة في جوهرها
ليست حنينًا بل هوية صامتة تجلس في الداخل وتنتظر اللحظة التي نحتاج فيها أن نتذكّرمن نحن…قبل أن نكون ما صرنا إليه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى