البصيرة التي ترى ما وراء اللحظة

منهال الجلواح -

في عالم يميل فيه الناس إلى إطلاق الأحكام السريعة على ما يمرّ بهم من أحداث، تبرز قصص الحكمة القديمة لتذكّرنا بأن ظاهر الأمور قد يخدع، وأن ما نراه اليوم شرًّا قد يحمل في طياته خيرًا، وما نعدّه خيرًا قد يكون بداية امتحان جديد. ومن بين تلك القصص الخالدة، قصة الشيخ الذي عاش فوق أحد التلال، فصار مثالًا للصبر والاتزان، ودرسًا عمليًا في معنى الرضا والتسليم.

تحكي القصة عن شيخٍ مسنّ كان يعيش في أعلى تلة هادئة، ولا يملك من الدنيا سوى جواد واحد كان يعتز به كثيرًا. وفي أحد الأيام، فرّ الجواد واختفى، فهرع الجيران لمواساته معتبرين ما حدث سوء حظ كبير. لكن الشيخ، بثبات الحكيم، اكتفى بالقول: “وما أدراكم أنه حظٌّ عاثر؟”

لم تمضِ أيام حتى عاد الجواد الهارب مصطحبًا معه مجموعة من الخيول البرية. عاد الجيران هذه المرة مهنئين ومبتهجين بما رأوه حظًا سعيدًا، غير أن الشيخ استقبلهم بالهدوء ذاته قائلًا: “وما أدراكم أنه حظٌّ سعيد؟”

وبينما كان ابن الشيخ يدرب أحد الخيول الجديدة، سقط من فوقه وانكسرت ساقه. عاد الجيران مرة أخرى يواسون الأب في ما اعتبروه مصيبة جديدة، لكنه أجابهم بالعبارة نفسها: “وما أدراكم أنه حظٌّ سيئ؟”

بعد أسابيع قليلة، اندلعت الحرب، وأعلنت الدولة تعبئة عامة استهدفت شباب القرية كافة. غير أن ابن الشيخ أُعفي من القتال بسبب إصابته، بينما فقدت القرية عددًا كبيرًا من شبابها في المعارك. وهكذا، تكشّف للجميع أن ما بدا شرًّا كان في جوهره رحمة، وأن ما بدا خيرًا كان يحمل في طياته امتحانًا.

في نهاية المطاف، تبدو الحياة كجدولٍ خفيّ الجريان، لا نرى من مياهه إلا ما يمرّ أمام أعيننا، بينما يبقى مجراه الحقيقي مستترًا عن إدراكنا. وما قصة الشيخ إلا تذكيرًا بأن الإنسان لا يملك من الأحداث إلا ظاهرها، أما حقيقتها فتتشكل في الغيب حيث تعمل الحكمة الإلهية بصمت. فكل ما نظنه خسارة قد يكون بداية نجاة، وكل ما نعدّه مكسبًا قد يخفي امتحانًا جديدًا. وهكذا، يظل الوعي العميق هو القدرة على الإصغاء لما وراء الحدث، والرضا هو الفن الذي يجعل القلب ثابتًا أمام تقلّبات القدر. ففي عالم يتبدّل كل لحظة، لا يبقى أجمل من روحٍ تتعامل مع الحياة كما يتعامل الحكيم مع الريح: لا يقاومها، بل يفهم اتجاهها.

مستشار تدريب وتطوير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى