رحلة في كشف الوجوه الحقيقية عبر مواقف من الحياة
متى تُنزع الأقنعة؟

في مسرح الحياة، يتقن كثير من الناس ارتداء الأقنعة: قناع اللطف، قناع الكرم، قناع الحكمة. لكن الحياة لا تلبث أن تضعهم في مواقف تُسقط هذه الأقنعة واحدًا تلو الآخر، لتكشف عن الوجوه الحقيقية خلف ذلك الزيف. فمتى تُنزع الأقنعة؟ ومتى نرى الإنسان كما هو، لا كما يدّعي؟
التعاملات المالية: حين يُختبر الضمير المال ليس مجرد وسيلة تبادل، بل هو اختبار أخلاقي. حين يُطلب منك أن تُقرض، أو أن تُقسّم الأرباح، أو أن تُراعي ظروف شريكك، يظهر الفرق بين من يرى المال وسيلة للكرم، ومن يراه أداة للسيطرة والجبروت .
– في الإرث، كم من إخوة تقاتلوا على ميراث والدهم، وظهرت أنانية دفينة كانت تُغطّى بالابتسامات والمجاملات. – في الشراكة ، عند توزيع الأرباح يصبح كل شيء رائع لكن حين وقوع الخسائر يُحمّل أحد الأطراف كامل المسؤولية ، مرتديا قناع العدل.
– في الدَّين، من يُماطل في السداد، ويُبرر ذلك بظروفه، بينما ينفق ببذخ على نفسه وعائلته. قال أحد الحكماء: “لا يغرنك صمت الرجل حتى يُجرَّب عند المال.”
السفر بمشقّه: حين تسقط الزينة السفر يُجرد الإنسان من راحته، ويضعه في مواجهة التعب، التأخير، وضيق الموارد. في هذه اللحظات، لا وقت للتصنّع، فيظهر: – الأناني الذي لا يُراعي غيره، يختار الأفضل لنفسه، ويتذمر دائمًا. – المُعين الذي يُضحّي براحة نفسه ليساعد الآخرين. – المُتسلّط الذي يُريد أن يُسيّر الرحلة وفق هواه. وقال الإمام الشافعي: “سافرْ تجدْ عوضًا عمّن تفارقه، وجَرِّبِ الناسَ تُعرَفِ الطبائع.”
الانفعالات: حين يتكلم اللاوعي الغضب، الحزن، الفرح الشديد… كلها لحظات تُفلت فيها الكلمات من رقابة العقل، وتتكلم النفس كما هي.ة- في الغضب، قد يخرج سباب أو إهانة تكشف عن احتقار أو حقد دفين. – في الحزن، يظهر من يُواسي، ومن يُنكر، ومن يُشمت. – في الفرح، من يتواضع، ومن يتفاخر، ومن ينسى من حوله. > قال النبي عليه الصلاة والسلام: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.”
توزيع الأدوار: حين يُطلب الفعل لا القول في الفرق التطوعية، المشاريع، وحتى في الأسرة، يُطلب من الناس أن يتحملوا مسؤوليات. هنا يظهر: – المُبادر الذي يعمل بصمت، ويُنجز. – المُتملّص الذي يختلق الأعذار، ويُحمّل غيره. – المُتفاخر الذي يُظهر نفسه كقائد، لكنه لا يُنجز شيئًا. قال تعالى: “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ” [التوبة: 105]
الأزمات: حين تُختبر العلاقات المرض، الفقد، الفقر، أو حتى مشكلة بسيطة… كلها أزمات تُظهر من يقف معك، ومن يختفي.
– الصديق الحقيقي لا ينتظر نداء، بل يُبادر. – المُتفرّج يُراقب من بعيد، ويُعلّق. – المُستغل يُحاول أن يستفيد من ضعفك. “وَإِذَا حَلَلْتَ فَانْزِلْ بِالْكَرِيمِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لا يُخْذِلُكَ عِنْدَ الشِّدَّةِ” – من الحكم العربية القديمة.
المعاشرة: حين يُكشف الوجه اليومي العِشرة تُسقط الأقنعة، لأن التكرار يُرهق التمثيل. في البيت، في العمل، في الصحبة الطويلة، يظهر: – المُراعي الذي يُحسن في التفاصيل، لا في المناسبات فقط. – المُتسلّط الذي يُريد أن يُسيطر على كل شيء. – المُهمل الذي لا يُبالي بمشاعر الآخرين. قال النبي عليه الصلاة والسلام: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.”
التعامل مع من هم أقل شأنًا أو عمرًا: اختبار الكبرياء من لا يُحسن معاملة من لا يُرجى نفعه، لا يُوثق بخلقه. هنا يظهر: – المُتواضع الذي يُنزل نفسه ليُكرم الآخرين. – المُتكبّر الذي يُهين أو يتجاهل. – المُراعي الذي يُعامل الجميع بإنسانية.
همسة ختامية: الوجه الحقيقي لا يُخفى طويلًا :الأقنعة قد تخدعنا للحظات، لكنها لا تصمد أمام المواقف. فالحياة كفيلة بكشف كل زيف، وإظهار كل صدق. فلنحرص أن نكون ممن لا يحتاجون إلى أقنعة، لأن وجوههم الحقيقية أجمل من أي زينة.
مستشار تدريب وتطوير




