قيمة الإنسان بين الذات والسياق

منهال الجلواح -

في عالمٍ تتفاوت فيه الأسعار، تُباع علبة الماء بريالٍ واحد في البقالة، بخمسة ريالات في المطعم، وقد تصل إلى عشرة ريالات أو أكثر في فندقٍ فاخر أو بعض الأماكن المخصصة لشرب القهوة. هي ذاتها، نفس العلبة، نفس المحتوى والمكونات، لكن قيمتها تتغيّر حسب المكان.

كذلك الإنسان.

قد تكون في بيئةٍ تُعامَل فيها كأنك عادي جدّا، لا يُلتفت إلى أفكارك، ولا يُحتفى بوجودك. وقد تكون في مكانٍ آخر، تُقدَّر فيه ككنزٍ نادر، تُصغى لكلماتك، وتُحتضن رؤاك، وتُمنح المساحة لتتألّق وتُبدع.

هذا لا يعني أن قيمتك تتبدّل، بل أن الاعتراف بقيمتك يتأثر بالسياق الاجتماعي الذي تُوجد فيه.

🧠 نظرية الاعتراف: أكسل هونيث

يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسل هونيث أن الاعتراف ليس مجرد مجاملة أو تفاعل اجتماعي، بل هو شرط أساسي لتكوين الذات الإنسانية. في نظريته الشهيرة، يُقسّم الاعتراف إلى ثلاثة مستويات:

1. الاعتراف العاطفي (الحب والرعاية): حيث يُنظر إلى الفرد ككائن فريد يستحق الحب والاهتمام.
2. الاعتراف القانوني (الحقوق): حيث يُعامل الفرد كمواطن له حقوق متساوية.
3. الاعتراف الاجتماعي (التقدير): حيث يُقدّر الفرد بناءً على مساهماته وقيمته في المجتمع.

وبحسب هونيث، فإن غياب الاعتراف يُنتج أشكالًا من الإذلال أو التهميش، ويُعيق تطوّر الهوية الذاتية. لذا، فإن القيمة لا تُستمد فقط من الذات، بل من نظرة الآخر إليها.

“الإنسان لا يصبح ذاتًا إلا من خلال الاعتراف به من قِبل الآخر.” — أكسل هونيث

القيمة في علم النفس والاجتماع

في علم النفس الاجتماعي، تُعرّف “القيمة” بأنها معتقدات راسخة توجه السلوك وتُحدّد ما هو مرغوب فيه. وهي تختلف من مجتمع لآخر، ومن سياق لآخر، لكنها تظل جوهرية في تشكيل الهوية والانتماء.

أما في نظرية ماسلو، فإن الاحترام والتقدير يقعان في قمة هرم الاحتياجات، بعد تلبية الحاجات الأساسية. وهذا يعني أن شعورك بأنك مُقدَّر ليس رفاهية، بل ضرورة للنمو النفسي.

🌿 نصائح للبحث عن بيئتك الحاضنة

🔹 لا تُقِم في مكانٍ يُقلّل من قيمتك: إذا شعرت بأنك تُختزل إلى دورٍ سطحي، أو تُهمّش أفكارك، فربما حان وقت الرحيل.

🔹 لا تُقارن نفسك بمن يُباع في سوقٍ مختلف: كما تختلف أسعار الماء حسب المكان، تختلف معايير التقدير من بيئة لأخرى. لا تُقِس نفسك بمقاييس لا تعبّر عنك.

🔹 ابحث عن بيئة تُنصت لك: اختر من يراك بعين القلب، لا بعين المصلحة. من يُقدّر وجودك لا فقط إنتاجك.

🔹 كوّن مجتمعك الخاص: أحيانًا لا نجد المكان الذي يُقدّرنا، فنصنعه. ابحث عن من يشبهك في القيم والرؤية، وابدأوا معًا.

🔹 تذكّر: القيمة لا تُمنح، بل تُكتشف

مستشار تدريب وتطوير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى