حُرّاس العتمة: حين تُغتال بذور الغد

منهال الجلواح -

في عالمٍ يزدحم بالأصوات، هناك من يهمس للحلم ليكبر، وهناك من يهمس له ليذبل. بين التشجيع والتحبيط، يولد سؤال الإنسان الأزلي: هل سيحمي نوره أم يتركه فريسة للعتمة؟ هذه المقالة ليست مجرد كلمات، بل دعوة للتأمل في معركة خفية يخوضها كل منّا مع “سارقو الأحلام”.
في زوايا الحياة، لا يسرقون الذهب ولا يقتحمون البيوت، بل يتسلّلون إلى الروح. هم أولئك الذين يطفئون شرارة الحلم بكلمة عابرة، أو يزرعون بذرة شك في أرضٍ كانت خصبة بالإيمان. يسمَّون “سارقو الأحلام”، لأنهم لا يحملون سلاحاً سوى التحبيط، ولا يحتاجون إلى قوة سوى صوتٍ بارد يهمس: “لن تنجح”. ولأنهم لايملكون سوى انتزاع وسرقة أحلامنا بدمٍ بارد.

علم النفس يصف هذه الظاهرة بأنها انعكاس لآليات دفاعية؛ فحين يرى البعض نور حلمك، يتذكّرون عجزهم عن الحلم، فيسقطون ظلال إحباطهم عليك. أما علم الاجتماع فيكشف أن المجتمعات التي تكثر فيها هذه الأصوات، هي مجتمعات تخشى التغيير، وتفضّل أن يبقى الفرد أسيراً للواقع حتى لا يهدد استقرارها الوهمي.

لكن أحلامنا ليست ترفاً، بل هي حقّ الإنسان في أن يتجاوز حدود اللحظة. هي البوصلة التي تمنحنا معنى وسط الفوضى، والنافذة التي تفتح على احتمالات أوسع من قيود اليوم. ومن يصرّ على حماية حلمه، يدرك أن السارق الحقيقي ليس الآخر، بل لحظة ضعف داخلي تسمح لكلماتهم أن تتجذر.

الأحلام لا تُحاسب، بل تُحتضن. ومع ذلك، قد تجد نفسك في مواجهة من يحاكمك حتى على فكرة لم تولد بعد، كأن الحلم جريمة تستوجب التبرير. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي: هل تترك حلمك رهينة نظراتهم، أم تحمله كراية وتواصل السير؟
الحلم، في جوهره، مقاومة صامتة. هو إعلان داخلي بأنك أكبر من قيودهم، وأقوى من أصواتهم الباردة. ومن يجرؤ على الحلم، يجرؤ على الحياة.

البعد الفلسفي
الحلم ليس مجرد صورة ذهنية، بل هو فعل وجودي. هو رفضٌ للعدم، ومواجهة لثقل الزمن. حين نحلم، نحن نعلن أن المستقبل ليس قدراً مغلقاً، بل فضاءً قابلاً لإعادة التشكيل. لذلك، فإن حماية الحلم ليست حماية لفكرة عابرة، بل حماية لجوهر الإنسان نفسه.

البعد العلمي–الإنساني
الدراسات الحديثة في علم الأعصاب تكشف أن الدماغ يتفاعل مع الأحلام كما يتفاعل مع التجارب الواقعية؛ أي أن الحلم يترك بصمة عصبية تشبه بصمة الفعل. هذا يعني أن الحلم ليس وهماً، بل تدريب داخلي على إمكانية التحقق. ومن هنا، يصبح الإصرار على الحلم شكلاً من أشكال إعادة برمجة الذات نحو التغيير.

تذكر عزيزي القارئ أن:
الأحلام تشبه شراراتٍ صغيرة في ليلٍ طويل. قد يظن البعض أنها ستنطفئ، لكنها حين تُصان باليقين، تتحول إلى نارٍ قادرة على إنارة الدرب. ومن يطفئ شرارة حلمك، لا يطفئ النور فقط، بل يحاول أن يعيدك إلى عتمةٍ اعتادها.

الألم والخسارة… والوجه الآخر

الابتعاد عن الحلم ليس حياداً، بل خسارة صامتة تتسلل إلى الروح. إنه ألم يشبه فقدان جزء من الذات، حيث يتحول اليوم إلى تكرارٍ بلا معنى، وتغدو الحياة مجرد عبورٍ بلا بوصلة. من يترك حلمه خلفه، يترك أيضاً جزءاً من قدرته على الإبداع، على النمو، وعلى أن يكون أكثر من مجرد رقم في زحام العالم.

لكن الوجه الآخر لهذا الألم يكشف لنا الحقيقة: أن التمسك بالحلم، مهما كان صغيراً، هو فعل شفاء. فالحلم يمنحنا طاقة إيجابية، يزرع فينا الأمل، ويعيد تشكيل نظرتنا للعالم. حين نحمي أحلامنا، نحن لا نحمي فكرة فقط، بل نحمي قدرتنا على الفرح، على التجدّد، وعلى أن نرى في كل خسارة بذرة بداية جديدة.

الألم يذكّرنا بما نخسره إن استسلمنا، بينما الحلم يذكّرنا بما يمكن أن نكسبه إن قاومنا. وبين الاثنين، يولد القرار: أن نختار الضوء، لا العتمة.

همسة أخيرة
أيها القارئ، لا تدع أحلامك تُسرق منك كما تُسرق الأشياء بقية الأشياء. فالحلم ليس ملكية عابرة، بل هو امتداد لروحك، ومرآة لما يمكنك أن تكونه. حين يقترب منك “حُرّاس العتمة”، تذكّر أن نورك لا يُطفأ إلا إذا سمحت له أن يخبو.
احمل حلمك كما يحمل المسافر زاده في طريق طويل؛ قد يثقل أحياناً، لكنه وحده ما يمنحك القدرة على الوصول. لا تبرر حلمك، ولا تعتذر عنه، بل اجعله إعلاناً صريحاً بأنك اخترت الحياة على طريقتك.
فالأحلام ليست مجرد احتمالات، إنها بذور المستقبل. ومن يحمي حلمه اليوم، يزرع غداً أكثر إشراقاً.

مستشار تدريب وتطوير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى