من كتب أول حكمة؟.. حين تختصر الحياة نفسها في جمل

هناء الخويلدي -

سؤال يبدو بسيطا لكنه يقودني دائما إلى سؤال أبعد من كان أول إنسان وقف أمام الحياة بعد تجربة ما وقال جملة اختصرت شيئا لم يستطع شرحه طويلا هل كان شاعرا أم إنسانا عاديا أنهكته الأيام ؟ أم امرأة خرجت من خيبة وهي تحمل معرفة لم تكن تملكها قبلها ؟ أم شخصا مجهولا قال جملة عابرة ثم مضى دون أن يعرف أنها ستنجو منه وتبقى بعده؟
ربما لم تولد الحكمة يوما باعتبارها حكمة ربما كانت في بدايتها تجربة عاشها إنسان ثم تركت فيه أثرا عميقا خسارة جعلته يدرك قيمة ما كان يملك خذلان علمه ألا يمنح قلبه بسهولة انتظار طويل اكتشف بعده أن بعض الأشياء لا تأتي مهما طال الوقوف على أبوابها أو حب غير نظرته إلى الحياة
ثم خرج من تلك التجربة معنى تحول إلى كلمات وتناقلها الآخرون حتى لم تعد ملكا لقائلها الأول بل أصبحت ملكا لكل من وجد نفسه فيها لهذا أعتقد أن الحياة تصنع الحكمة قبل أن تصنعها الكلمات
فالإنسان حين يمر بتجربة قاسية أو عميقة يحاول أن يفهمها وحين يفهم يبحث عن عبارة تختصر ما تعلمه وحين نقرأ حكما قديما لا ينبغي أن نتوقف عند الكلمات وحدها بل نتساءل عن الإنسان الذي يقف خلفها من قالها وماذا عاش وماذا فقد؟ ومن أحب حتى وصل إلى تلك البصيرة
كم من قصة اختفت وبقيت خلاصتها وكم من إنسان مجهول لم تحفظ لنا الكتب اسمه لكنها حفظت لنا لحظة فهمه وربما هنا تكمن عظمة الحكم والأمثال
فالإنسان قد يرحل بكل تفاصيله ويبقى منه المعنى قد ننسى وجهه وصوته والزمان الذي عاش فيه لكننا نتناقل جملة خرجت منه في لحظة صدق ولهذا تتشابه الحكم بين شعوب لم تلتق يوما وتختلف اللغات والجغرافيا لكن التجارب الإنسانية واحدة
الفقد لا يحتاج إلى ترجمة والخذلان مفهوم في كل مكان
والانتظار يعرفه الجميع والحب يترك في القلب أثرا يتجاوز اختلاف الأزمنة والثقافات لهذا تبدو لي الأمثال ذاكرة البشرية المختصرة آلاف التجارب الإنسانية اختزلت في جملة واحدة نرددها اليوم دون أن نعرف كم من الألم سبقها وكم من الحياة احتاجها إنسان حتى يصل إليها
والأغرب أن الحكمة لا نفهمها دائما حين نسمعها قد نقرأها في عمر مبكر فتمر بنا ككلمات عابرة ثم نعود إليها بعد سنوات إثر خسارة أو حب أو فراق فنكتشف أنها لم تكن كلمات بل تجربة كانت تنتظر أن نعيشها حتى نفهمها لذلك حين أسأل من كتب أول حكمة أميل إلى إجابة مختلفة
ربما لم يكتبها شخص واحد ربما كتبها كل إنسان عاش وتألم وفهم ثم استطاع أن يحول تجربته إلى معنى وربما أجمل الحكم هي تلك التي لم تكتب بالحبر أصلا بل كتبت في حياة أصحابها وحفظتها الأيام فكلما سمعت حكمة قديمة أتخيل إنسانا من الماضي يشبهنا أكثر مما نظن
كان يخاف ويتعلق ويحلم ولا يعرف ماذا تخبئ له الأيام ثم مضى وبقيت كلماته وربما هذه هي الحكاية الحقيقية للحكمة إنسان عاش وتألم وفهم ثم رحل فترك لنا معنى صغيرا يقول لقد مررت من هنا قبلكم …فانتبهوا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى