من سرق وجه الإنسان الأول؟

إنه الكذب… حين يخاف الإنسان أن يكون نفسه لكن السؤال ليس لماذا نكذب؟ بل ربما يكون السؤال الأصدق متى بدأ الإنسان يشعر أن الحقيقة وحدها لا تكفي؟
فالإنسان لا يولد كاذبًا كما لا يولد منافقًا أو متصنعًا يولد نقيًا مجردًا من الأقنعة لا يعرف سوى التعبير الصادق عن احتياجاته إذا فرح ضحك وإذا حزن بكى وإذا خاف احتمى بمن يحب لا يخجل من ضعفه ولا يخفي جهله ولا يدّعي ما ليس فيه فمتى يبدأ هذا الوجه الأول في الاختفاء؟
متى يتعلم الإنسان أن يخفي ألمه خلف ابتسامة وأن يقول ما لا يشعر به وأن يعيش بشخصية لا تشبهه؟
هل يتعلم الكذب لأنه شرير؟ أم لأنه خائف؟ قد تكون أول كذبة في حياة الإنسان ليست رغبة في الخداع بل محاولة للبقاء
فالطفل الذي يُعاقَب على صدقه أكثر مما يُكافأ عليه يتعلم أن إخفاء الحقيقة أكثر أمانًا والطفل الذي لا يشعر أنه محبوب إلا إذا كان مطيعًا أو متفوقًا أو مطابقًا لتوقعات الآخرين يبدأ بصناعة نسخة ترضيهم
وهنا لا يولد الكذب…بل يولد القناع ومع مرور الزمن ينسى الإنسان أنه كان يرتديه حتى يظنه وجهه الحقيقي لكن هل الخوف وحده يفسر الكذب؟
ربما لا وربما يقودنا ذلك إلى سؤال أعمق هل نكذب لأننا نبحث عن التقبل؟ ولماذا أصبح التقبل شرطًا نشعر معه أننا نستحق الحياة؟ هنا يلتقي التأمل الفلسفي بعلم النفس .
فالإنسان لا يبحث عن القبول لأنه ضعيف بل لأنه كائن خُلق ليأنس ويشارك ويحب ويُحب فالحاجة إلى الانتماء ليست نقصًا في تكوينه وإنما جزء أصيل من إنسانيته .
غير أن المأساة تبدأ حين تتحول الحاجة إلى الانتماء إلى مقياس للقيمة حين يصدق الإنسان أن قيمته لا تنبع من ذاته بل من مقدار قبول الآخرين له عندها يتغير كل شيء
فبدلًا من أن يبحث عن الحقيقة يبحث عن الإعجاب وبدلًا من أن يعيش ذاته يعيش الصورة التي يعتقد أن الآخرين سيحبونها ومن الذي أقنع الإنسان منذ طفولته أن قيمته تُمنح له من الخارج؟
من الذي زرع فيه الاعتقاد بأن الحب مكافأة لا حق وأن عليه أن يكون أجمل وأنجح وأقوى وأكثر صمتًا حتى يستحق أن يُقبل؟ فامنذ تلك اللحظة يبدأ بالتخلي عن أجزاء من نفسه .
لا لأنه يكرهها…بل لأنه يخشى ألا يحبها أحد وهنا يرتكب أول ظلم بحق ذاته إن أخطر أنواع الكذب ليس ما نقوله للناس… بل ما نقوله لأنفسنا حين نقنع أنفسنا أننا بخير بينما أرواحنا تتداعى وحين نزعم أن كلمات الآخرين لا تعنينا بينما نبني قيمتنا كلها عليهاوحين نرتدي شخصيات لا تشبهنا خوفًا من أن نخسر أحدًا فنحن قبل أن نخدع الآخرين نكون قد خدعنا أنفسناونستسلم لحمكنا وهو إذا رفضني احد فأنا لا أستحق فالرفض حقيقة أما عدم الاستحقاق…فليس إلا تفسيرًا صنعه العقل لا الواقع ولهذا لا يكون الكذب في نظر نا مجرد خطيئة أخلاقية بل نتيجة لفكرة خاطئة فحين تصبح قيمتي معلقة بآراء الآخرين يصبح خوفي من خسارتهم أكبر من خوفي من خسارة نفسي وهنا تبدأ السلسلة كلها الخوف ثم القناع ثم الكذب شيئًا فشيئًا إلى سجين للصورة التي صنعها عن نفسه .
لكن لماذا يعجز الإنسان عن قبول نفسه كما هي؟ هل لأنه خُلق ناقصًا؟ أميل إلى الاعتقاد أنه لم يُخلق ناقصًا…بل خُلق محتاجًا وهناك فرق شاسع بين الاحتياج والنقص فالاحتياج إلى الحب لا يعني أن قيمتك ناقصة والاحتياج إلى الصحبة لا يعني أنك فارغ والاحتياج إلى المشاركة لا يعني أنك أقل من غيرك غير أن الإنسان يخلط بين الاحتياج والقيمة فيجعل حاجته إلى الآخرين دليلًا على نقصه ثم يحاول سد هذا النقص الوهمي بإرضائهم وهكذا يبدأ البحث عن الذات…في المكان الخطأ في عيون الناس وكم هو مؤلم أن يقف الإنسان كل يوم أمام مرآة الآخرين ينتظر منهم أن يخبروه من يكون وكأن روحه أصبحت رهينة لأحكام لا يملكها فالحرية الحقيقية لا تبدأحين يتحسن العالم بل حين تكف عن جعل ما لا تملكه مصدرًا لسلامك وأعظم ما لا نملكه هو قلوب الناس وآراؤهم وأمزجتهم وأحكامهم.
فكيف نجعلها ميزانًا لقيمتنا؟
ولعل الإنسان لا يكذب لأنه يعشق الكذب…بل لأنه يخشى أن الحقيقة لن تكون كافية ليُحب ولأنه لم يدرك بعد أن من أحب القناع فلن يحب الوجه الحقيقي مهما أتقن صاحبه التمثيل فالكذب لا يمنح قبولًا حقيقيًا إنه يمنح قبولًا لشخصية لم توجد أصلًا ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان في حياته ليس أن يجعل الجميع يتقبلونه بل أن يبلغ اللحظة التي لا يعود فيها مضطرًا إلى الاختباء
أن ينظر إلى نفسه كما هي بضعفها وقوتها بأخطائها وصوابها فيقبلها بصدق ويهذبها بمحبة لا باحتقار فمن عرف قيمته من داخله لن يبيعها من أجل تصفيق عابر ومن تصالح مع حقيقته لم يعد محتاجًا إلى الكذب فالصدق في جوهره ليس مجرد فضيلة أخلاقية بل أسمى صور الحرية .
وهنا نقف عند أي السؤالين أصح ..لماذا يكذب الإنسان؟ أم لماذا يخاف الإنسان أن يكون نفسه؟ فإذا وجد الإنسان جواب هذا السؤال…لعله يستعيد وجهه الأول .




