الخيانة عملة رائجة

الثابت في التاريخ .. الطهر يزعج الملوثين

أحمد العطافي -

ليس كل اغتيال يرتكب بسيف فبعض الجرائم تقدم في كأس ويكون الصمت شريكا فيها قبل أن يبتلعها الجسد ففي التاريخ رجل لم يكن يبحث عن عرش إنما كان يبحث عن حقن الدماء ظن أن التنازل عن السلطة قد يوقف نزيف الأمة لكنه اكتشف أن من اعتاد صناعة الفتن لا يكتفي بالنصر إنما يريد محو الفضيلة نفسها.

كان يعرف أن المصافحة لا تغير قلوب امتلأت بالطمع وأن الابتسامة لا تطفئ نار الحقد حين يسكن النفوس لذلك عاش وهو يحمل هم الأمة أكثر مما يحمل هم نفسه حتى جاءه الموت من حيث لا ترفع السيوف إنما من حيث تُخفى الخيانة في جرعة لا يراها أحد .

العجيب أن السم لم يكن أخطر ما قدم إليه فالسموم الحقيقية كانت قد سرت قبل ذلك في الضمائر يوم أصبح المال يشتري المواقف وأصبح الإنسان يقايض بما يملك لا بما يحمل من مبادئ .

إن أخطر أنواع السموم ليست تلك التي تفتك بالأجساد انما تلك التي تقتل الوفاء وتميت الضمير وتجعل الخيانة عملة رائجة فحين يباع الصدق يصبح كل كأس قابلا لأن يكون قاتلا ولعل التاريخ أراد أن يقول لنا إن أصحاب المبادئ لا يموتون حين ترهقهم السموم وإنما يموت الذين ظنوا أن الجريمة تدفن مع صاحبها فالحق يعيش أطول من أعمار قاتليه والفضيلة تبقى شاهد على كل من حاول اغتيالها .

وفي كل عصر تتكرر القصة بأسماء مختلفة رجل يقدم مصلحة الناس على نفسه فيحارب وصاحب ضمير يرفض الانحناء فيستهدف. وكأن الثابت في التاريخ أن الطهر يزعج الملوثين وأن النقاء يفضح العفن مهما طال الزمن .

إن القراءة الواعية للتاريخ ليست بحث عن أسماء انما بحث عن العبر فالخيانة لا دين لها ولا زمان والسم قد يتغير شكله لكنه يبقى رمزا لكل محاولة لإسكات صوت الحق ويبقى السؤال الذي يواجه كل جيل فهل نخاف من الكأس الذي يحمل السم أم من اليد التي اعتادت أن تقدمه ؟

للتواصل – a-attafi@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى