البوردنق الضائع

هناء الخويلدي -

كلما حجزت رحلة ينتابني شعور جميل بأنني ذاهبة إلى إجازة وكلما عدت منها اكتشفت أنني كنت ذاهبة لاختبار جديد في الصبر والأغرب أنني في كل مرة أقول بثقة هذه الرحلة ستكون مختلفة ويضحك السفر في سره… ثم يبدأ عرضه

أنا لا أجهز حقيبتي إلا قبل السفر بيوم ولا أحمل سوى الضروريات تحت شعار يمكن احتاجهاوأفاجأ في كل مرة عندما أقف أمام ميزان المطار بينما تقف حقيبتي أمامي وكأنها عائدة من رحلة شحن دولية
في المنزل كانت خفيفة… وفي المطار أصبحت تحتاج إلى تصريح لنقل الأحمال الثقيلة ونصفها تعود كما ذهبت

أنظر إلى الرقم ثم إلى الحقيبة ثم إلى الموظف وكأنني أبحث عن شاهد يؤكد أن أحدهم دس فيها كيس إسمنت في الطريق

أما المطار فهو المكان الوحيد الذي يمنحك ثقة مجانية… ثم يستردها عند أول طابور
أقف بكل هيبة وبعد دقائق أكتشف أنني كنت في الطابور الخطأ وأغادره بهدوء متظاهرة بأنني كنت أقوم بجولة تفقدية للمطار لا أكثر ثم أصل إلى جهاز التفتيش ذلك الجهاز لا يراني مسافرة…بل مشروعًا مؤجلًا
كلما مررت به أعلن اعتراضه حتى بدأت أشعر أن بيننا معرفة قديمة لا أتذكر بدايتها

وقبل الوصول إلى البوابة لا بد من المرور على محلات المطار…التي لا تتغيير حتى وإن تغير مبنى المطار وهنا يبدأ اختبار آخر تدخل وأنت عطشان وتقول مجرد قارورة ماء ثم تنظر إلى السعر…فتشعر أن الماء لم يُعبأ من نبع بل استُخرج من بئر نفط!
خارج المطار هو الماء نفسه… والشركة نفسها… والعبوة نفسها أما داخل المطار فيبدو أن قارورة الماء تخلع جنسيتها عند بوابة الدخول وتحصل على جواز سفر أوروبي ثم تبدأ التسعير باليورو!
ولا يقتصر الأمر على الماء القهوة نفسها والشوكولاتة نفسها ورقائق البطاطس نفسها كل شيء كما هو…إلا السعر وكأنه قرر أن يسافر في درجة رجال الأعمال بينما بقية الناس في الدرجة السياحية
بعدها تبدأ الحلقة الأشهر في كل رحلاتي…البوردنق الإلكتروني أصوره مرة…ومرتين…وعشر مرات حتى إن هاتفي صار يحفظ البوردنق أكثر مما يحفظ وجهي ثم أصل إلى البوابة…وأبدأ البحث عنه في الصور… لا أجده في الواتساب… لا أجده. في البريد الإلكتروني… لا أجده.
لكنني أجد صور القهوة والحقيبة وممراتت المطار وحتى وجناح الطائرة، وحتى صورة لسقف المطار… لا أذكر حتى الآن ما الذي دفعني لتصويره أما البوردنق… فيختبئ داخل الهاتف بكل هدوء منتظرًا أن أرفع مستوى التوتر إلى الحد الأقصى ثم يظهر في المكان نفسه الذي فتشته قبل دقيقة

لا أدري من يسافر…أنا أم البوردنق؟ثم يبدأ النداء الأخير…فأركض ولا أعرف لماذا أركض فالطائرة لم تتحرك والباب ما زال مفتوحًا لكن يبدو أن الركض في المطار بند إلزامي في تذكرة السفر أدخل الطائرة…لتبدأ مرحلة الصبر الطويل المقعد الأوسط بين رجلين وكل واحد منهما يتعامل مع مسند الذراع وكأنه حدود دولة لا يجوز الاقتراب منها أنظر يمينًا…لا أمل أنظر يسارًا…لا أمل أيضًا فأجلس في المنتصف كرجل آلي لا أتحرك ولا أضحك ولا حتى أتنفس خشية أن يُحسب ذلك تعديًا على المجال الجوي للمجاورين وإذا كانت الرحلة طويلة…فلا أشعر أنني في طائرة أشعر أنني أقضي حكمًا والإفراج لن يكون إلا عند الهبوط

لكن أغرب مشهد يبدأ بعد الهبوط قبل أن تُفتح أبواب الطائرة…يقف الجميع!إلى أين؟لا أحد يعرف وكأن قائد الطائرة سيعلن بعد قليل نعتذر… تقرر إلغاء النزول وسيواصل الجميع حياتهم معنا يتحول الممر إلى ازدحام مروري على ارتفاع عشرة آلاف متر ثم إلى سباق جماعي نحو باب…لم يُفتح بعد إنه السباق الوحيد في العالم الذي يكون فيه خط النهاية مغلقًا ومع ذلك يصر الجميع على الفوز

بعد الوصول أقف أمام سير الحقائب أرحب بكل حقيبة تشبه حقيبتي ثم أكتشف أنني كدت أعود بأمتعة سائح بريء فقط لأنه اشترى اللون نفسه وفي الفندق لا تكتمل الرحلة إلا إذا حاولت فتح باب غرفة ليست غرفتي أما خرائط جوجل فبيننا سوء تفاهم دائم تؤكد أن الوجهة تبعد ثلاث دقائق وأصل إليها بعد جولة سياحية جعلت بائع القهوة يحفظ وجهي أكثر مما حفظت اسم الشار

وعندما يحين موعد العودة أردد قسمي المعتاد لن أشتري شيئًا ثم أعود بعد ولادة تؤام لحقيبتي وأقف أمام الميزان مستغربة وكأن الهدايا والتذكارات قررت مرافقتي دون إذني

في النهاية اكتشفت أن السفر لا يبدأ عند بوابة الصعود بل يبدأ عندما تشتري أول قارورة ماء من المطار وتدرك أن رحلتك الحقيقية ليست إلى دولة جديدة بل إلى عالم لا تعترف فيه الأسعار بالمنطق ولا يعترف فيه البوردنق بمكانه ولا يعترف فيه الركاب بأن باب الطائرة لن يفتح لمجرد أنهم وقفوا والأعجب من كل ذلك…أن هذه المسرحية تُعاد في كل سفرة تتغير الدولة…ويتغير الفندق…ويتغير رقم الرحلة… لكن السيناريو يبقى كما هو مع تعديلات بسيطة في الديكور ولهذا لم أعد أتساءل كيف حدث هذا؟
بل أصبحت أتساءل فقط…كيف تنجح كل رحلة مهما اختلفت وجهتها في إعادة عرض المسرحية نفسها… بالمواقف نفسها… مع تغييرات بسيطة فقط؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى