المـــسؤول التنفيذي في الجمعيات الخيرية

شهد قطاع العمل غير الربحي تحولاً جذرياً في العقود الأخيرة، حيث انتقل من الإدارة التقليدية القائمة على الفزعة والاجتهادات الشخصية إلى الإدارة المؤسسية الاحترافية. وفي قلب هذا التحول، يبرز دور (المسؤول التنفيذي) كمحرك أساسي لتحقيق الأثر الاجتماعي والاستدامة المالية. يستعرض هذا المقال، استناداً إلى الدراسات والأبحاث العلمية في مجال إدارة المنظمات غير الربحية، الدور المحوري للمسؤول التنفيذي، والمؤهلات والمهارات التي يجب أن يتمتع بها، وصولاً إلى الدور الاستراتيجي لمجلس الإدارة في عمليات الاختيار والتقييم.
أ ولاً: الدور الاستراتيجي والتنفيذي للمسؤول التنفيذي
تشير الدراسات إلى أن المسؤول التنفيذي في المنظمات غير الربحية يلعب دور القائد المركزي الذي يربط بين الرؤية الاستراتيجية والتشغيل اليومي. وتتحدد أدواره الرئيسية في أربعة أبعاد أساسية:
1. القيادة الاتصالية وتحريك الموارد: حيث أثبتت الأبحاث أن النجاح المالي للجمعيات الخيرية يرتبط مباشرة بقدرة المسؤول التنفيذي على بناء علاقات ثقة مع المانحين والشركاء الاستراتيجيين. هو ليس مجرد مدير داخلي، بل هو “الوجه العام” للجمعية.
2. التخطيط الاستراتيجي والتشغيل: وذلك عبر تحويل الخطط العريضة التي يقرها مجلس الإدارة إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ، وتوزيع الموارد بكفاءة لتحقيق أعلى أثر اجتماعي ممكن.
3. إدارة الثقافة التنظيمية وتحفيز المتطوعين: تختلف المنظمات الخيرية عن القطاع الخاص في اعتمادها على المورد البشري القائم على “الشغف والقيم” (الموظفين والمتطوعين). هنا تبرز مهارة المسؤول التنفيذي في صناعة بيئة عمل جاذبة ومحفزة تمنع الاحتراق الوظيفي.
4. الحوكمة والامتثال: أي ضمان توافق جميع أنشطة الجمعية مع القوانين واللوائح الحكومية ومعايير الحوكمة المحلية والعالمية لتجنب المخاطر القانونية والمالية.
*ثانياً: المؤهلات والمهارات المطلوبة لشاغل الوظيفة
لم تعد الرغبة في عمل الخير أو “النيّة الطيبة” كافية لشغل هذا المنصب. حيث تظهر الأدبيات الإدارية الحديثة أن القائد التنفيذي الفعّال يجب أن يمتلك مزيجاً من المؤهلات الأكاديمية و الكفاءة :
1. التأهيل الأكاديمي والخبرة – التعليم: تفضل التوجهات الحديثة الحاصلين على شهادات متقدمة في إدارة الأعمال (MBA)، أو إدارة المنظمات غير الربحية ، أو العلوم الاجتماعية ذات العلاقة بنشاط الجمعية.
– الخبرة: إن المديرين الذين يمتلكون خبرة تجمع بين القطاع الخاص (كفاءة العمليات) والقطاع غير الربحي (فهم الطبيعة الإنسانية والقيمية للعمل) هم الأكثر نجاحاً في قيادة التغيير.
2. الكفاءات (Competencies)
وفقاً لإطار الكفاءات الصادر عن معاهد الإدارة غير الربحية، يجب التركيز على: – الذكاء العاطفي والسياسي: أي القدرة على التعامل مع أطراف متعددة المصالح (مجلس إدارة، مانحين، مستفيدين، متطوعين، جهات تشريعية).
– العقلية الريادية: أي القدرة على ابتكار حلول ومشاريع استثمارية واجتماعية تضمن التدفقات المالية المستدامة للجمعية (الاستدامة المالية). – المهارات المالية والتحليلية: أي فهم عميق للميزانيات وقراءة المؤشرات المالية وربط الإنفاق بالأثر المستهدف.
ثالثاً: دور مجلس الإدارة في الاختيار والتقييم
تعتبر العلاقة بين مجلس الإدارة والمسؤول التنفيذي بمثابة “الحجر الزاوية” في حوكمة الجمعيات الخيرية. وتؤكد الأبحاث حول القيادة الحوكمية أن للمجلس دورين حاسمين:
1. طريقة وآلية الاختيار (Selection) حيث توصي الدراسات العلمية المجالس باتباع منهجية علمية صارمة لتجنب الانحيازات الشخصية (مثل الواسطة أو التزكية غير المبنية على جدارة) عبر تشكيل لجنة ترشيحات مؤقتة متخصصة لتحديد الاحتياجات الحالية والمستقبلية للجمعية قبل صياغة الوصف الوظيفي . والمقابلات المبنية على الكفاءة
2. آلية التقييم والمحاسبة: إن غياب التقييم المستمر أو اعتماده على “الإنطباع الشخصي” لأعضاء المجلس يعد من أبرز أسباب فشل المنظمات. والآلية العلمية السليمة تقتضي صياغة مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) واضحة وموقعة مسبقاً من الطرفين تشمل أربعة محاور:
1. المحور المالي: (هل تم تحقيق مستهدفات الدعم؟ هل تمت إدارة المصاريف التشغيلية بكفاءة؟). 2. محور المستفيدين والأثر الاجتماعي: (ما مدى رضا المستفيدين؟ ما هو الأثر الفعلي للمشاريع؟).
3. محور العمليات الداخلية: (هل تم تطبيق معايير الحوكمة والتحول الرقمي؟). 4. محور التعلم والنمو: (هل تم تطوير مهارات الموظفين والحد من تسرب الكفاءات؟).
ثم التقييم الشامل بنظام 360 درجة ( صاعد, نازل , أفقي ): في المنظمات غير الربحية، يُنصح بجمع مرئيات تقييمية (بشكل سري) من موظفي الإدارة التنفيذية، وبعض المانحين الرئيسيّين، والشركاء، إلى جانب تقييم أعضاء المجلس أنفسهم، للحصول على صورة كاملة لأسلوب قيادته.
إن المسؤول التنفيذي في الجمعية الخيرية ليس مجرد موظف لتسيير الأعمال، بل هو شريك استراتيجي لمجلس الإدارة. والجمعيات الخيرية التي تنجح في تطبيق ما توصي به الأبحاث العلمية عبر اختيار التنفيذي بناءً على الكفاءة، وتقييمه بناءً على”الأثر والاستدامة”، هي المنظمات المهيأة للبقاء والريادة في صناعة التغيير الاجتماعي الإيجابي .
ماجستير تأمين وإدارة مخاطر




