كرة القدم ليست معركة حياة.. والمشجع البسيط هو الضحية للجدل الرياضي

حياة يوسف -

في السنوات الأخيرة، لم تعد كرة القدم مجرد مباراة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت مساحة ضخمة للتأثير على الجماهير وتوجيه مشاعرهم، خصوصًا عبر الإعلام الرياضي والمساحات والمنصات الجماهيرية. المشكلة ليست في التشجيع أو الحماس، بل في الطريقة التي يتم فيها استغلال المشجع البسيط وتحويله إلى طرف دائم في معارك لا يستفيد منها بشيء سوى استنزاف أعصابه وصحته وعلاقاته.
الكثير من الإعلاميين ومقدمي المساحات يعيشون على الإثارة والجدل، لأن هذا النوع من المحتوى يجلب المشاهدات والمتابعين ويرفع الترند. تراهم داخل المساحات يتبادلون الاستفزاز والصراخ وكأن بينهم عداوات شخصية، بينما في الواقع قد يخرجون بعد انتهاء الحلقة أصدقاء يجلسون على طاولة واحدة وكأن شيئًا لم يكن. في المقابل، يبقى المشجع هو الطرف الوحيد الذي يحمل كل هذا الاحتقان داخله، فيتشاجر مع الآخرين، ويخسر علاقات، ويدخل في دوامة من العصبية والتوتر فقط لأنه اندفع خلف محتوى تم تصميمه أصلًا لإشعال الجماهير.
المؤسف أن بعض الجماهير أصبحت تتعامل مع كرة القدم وكأنها قضية حياة أو موت، بينما الحقيقة أنها مجرد رياضة: اليوم تفوز وغدًا تخسر، واليوم تفرح وغدًا يغضب غيرك، وهذه طبيعة المنافسة منذ أن وُجدت الكرة. المشكلة تبدأ عندما يتحول التشجيع إلى تعصب، وعندما يصبح رفع الصوت والسب والشتم أسلوبًا لإثبات الانتماء.
حتى بعض المساحات التي يُفترض أنها للنقاش الرياضي أصبحت تعتمد على تأجيج الفتن واستفزاز الجماهير، لأن الهدوء والعقلانية لا يحققان لهم الانتشار نفسه. ولهذا تجد أن الأصوات العاقلة قليلة، لكنها موجودة، وهناك فعلًا مساحات تحترم الرأي والرأي الآخر وتناقش الكرة بوعي واحترام دون إساءة أو تحريض، لكنها للأسف تبقى أقل انتشارًا وسط ضجيج المحتوى السلبي.
الإنسان بطبيعته يتأثر بالمحيط الذي يجلس فيه ويستمع له يوميًا. كثرة الجلوس في بيئات مليئة بالصراخ والاحتقان تنعكس على أسلوب الشخص وتفكيره وحتى على نظرته للحياة. لذلك أصبح من المهم أن يختار الإنسان ما يتابعه بعناية، لأن بعض المحتويات لا تضيف وعيًا ولا متعة، بل تزيد التوتر والطاقة السلبية فقط.
الحياة أكبر من أن تُختصر في تعصب رياضي أو معارك إلكترونية يومية. ليست قوة الإنسان في ارتفاع صوته أو قدرته على شتم الآخرين، بل في وعيه واتزانه واحترامه للناس مهما اختلفت ميولهم. كرة القدم وجدت للمتعة، لا لصناعة الكراهية بين أبناء البلد الواحد.
وفي النهاية، يبقى المشجع الواعي هو الرابح الحقيقي؛ لأنه يعرف كيف يستمتع بكرة القدم دون أن يسمح لها بأن تسرق راحته أو أخلاقه أو علاقاته مع الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى