حين تتحول خدمة ضيوف الرحمن إلى إرثٍ من الوفاء

في كل عام، ومع إشراقة أيام الحج المباركة، تتجه أنظار المسلمين إلى مكة المكرمة، حيث تتعالى أصوات التلبية، وتفيض القلوب شوقاً وإيماناً، ويجتمع الملايين على صعيد واحد لا يفرق بينهم لون ولا لغة ولا وطن، يجمعهم مقصد واحد هو ابتغاء رضوان الله وأداء الركن الخامس من أركان الإسلام.
وقد عظّم الله شأن هذه الشعيرة المباركة فقال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، فكانت هذه الدعوة الربانية الخالدة سبباً في اجتماع المسلمين حول بيت الله الحرام جيلاً بعد جيل، تهفو إليه القلوب وتشتاق إليه الأرواح من مشارق الأرض ومغاربها.
ومنذ أن اختص الله المملكة العربية السعودية بشرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وهي تضرب أروع الأمثلة في العناية بضيوف الرحمن، مدعومة بقيادة حكيمة جعلت خدمة الحاج أولوية كبرى ورسالة وطنية سامية، فسخرت الإمكانات البشرية والتقنية والتنظيمية كافة، حتى أصبحت مواسم الحج نموذجاً عالمياً في إدارة الحشود وتقديم الخدمات ورعاية الإنسان.
وفي خضم هذه الجهود المباركة، تبرز أسماء ومؤسسات جعلت من خدمة الحاج رسالة عمر لا موسماً عابراً، ومن بين هذه النماذج المضيئة تأتي الإخلاص المتحدة لخدمات حجاج الداخل، التي لم تُبنَ على أسس تجارية بقدر ما بُنيت على قيم راسخة من الإيمان والوفاء والإحسان في خدمة ضيوف الرحمن. ولعل أجمل ما في الحكايات أنها تبدأ من رجل يحمل حلماً صادقاً، ثم يترك بعد رحيله أثراً لا يزال ينبض بالحياة.
هكذا كانت بداية هذه المسيرة مع الشيخ مناحي بن سعيد الأكلبي رحمه الله، ذلك الرجل الذي أدرك مبكراً أن خدمة حجاج بيت الله الحرام ليست عملاً يُطلب منه العائد الدنيوي، بل باب من أبواب الخير يمتد أثره إلى ما شاء الله أن يمتد. حمل هذا الهم المبارك في قلبه، وجعل راحة الحجاج وسلامتهم ورضاهم هدفاً يسعى إليه بكل ما أوتي من جهد، فكان قريباً من الناس، حاضراً بينهم، مستشعراً لعظم الأمانة التي يحملها.
ومع مرور الأعوام لم يكن يبني مؤسسة فحسب، بل كان يبني قيماً ومبادئ وثقافة عمل قائمة على الإحسان والإتقان والرحمة، حتى أصبحت تلك القيم جزءاً أصيلاً من هوية هذا الكيان المبارك. ولعل ما ميّز هذه المسيرة المباركة أنها قامت على أصل عظيم دلّت عليه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فكان الإخلاص منهجاً واسمًا ورسالةً انعكست آثارها في العمل والأثر والبقاء. ثم رحل المؤسس إلى جوار ربه، وبقيت سيرته العطرة شاهدةً على ما قدمه من خير وعطاء، وبقي الغرس الذي زرعه يؤتي ثماره جيلاً بعد جيل.
وقد حمل الأبناء البررة هذه الأمانة بكل وفاء، مقدمين نموذجاً مشرفاً في بر الوالد وحفظ إرثه واستكمال رسالته. وكان للشيخ سعيد بن مناحي الأكلبي دور بارز في قيادة هذه المسيرة، حيث واصل البناء والتطوير برؤية واعية وإدارة حكيمة جمعت بين المحافظة على المبادئ التي أرساها والده وبين مواكبة التطور المتسارع في خدمات الحج ومتطلباته.
ولم يكن النجاح ثمرة جهد فرد واحد، بل كان ثمرة تكاتف جميع إخوانه الذين شاركوه حمل المسؤولية، واستشعروا جميعاً أن ما ورثوه من والدهم رحمه الله ليس مجرد اسم أو مؤسسة، بل رسالة عظيمة ينبغي أن تبقى حية ومتجددة. فكانوا جميعاً شركاء في استمرار هذه المسيرة المباركة، يعملون بروح الأسرة الواحدة، ويجمعهم هدف واحد يتمثل في خدمة ضيوف الرحمن بأفضل صورة ممكنة.
وإذا كانت القيادة الحكيمة تصنع الاتجاه، فإن الإنجازات لا تكتمل إلا بسواعد المخلصين الذين يعملون في الميدان. وهنا تتجلى الصورة الأجمل في الإخلاص المتحدة، حيث يقف خلف نجاحاتها رجال ونساء شرفهم الله بخدمة حجاج بيته الحرام، يعملون بصمت وإخلاص، ويتسابقون إلى البذل والعطاء، مدركين أن ما يقومون به ليس مجرد عمل، بل عبادة وقربة يرجون بها ما عند الله.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “خير الناس أنفعهم للناس”، ولا شك أن من أعظم وجوه النفع تيسير أمور ضيوف الرحمن وإعانتهم على أداء نسكهم بيسر وطمأنينة. ولذلك كان منسوبو هذا الكيان المبارك يضعون خدمة الحاج في مقدمة أولوياتهم، مستشعرين شرف المهمة وعظم الأجر.
رجال يسهرون على راحة الحجاج ونساء يقدمن صوراً مشرقة من العناية والتنظيم والرعاية، وكوادر إدارية وميدانية وفنية تعمل بروح الفريق الواحد، يجمعها هدف نبيل ورسالة سامية. وفي كل موسم تتكرر مشاهد الجهد والتفاني، وتُكتب قصص نجاح جديدة عنوانها الإخلاص الذي استمدت منه هذه المؤسسة اسمها وهويتها.
ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن أكرمني بأن أكون واحداً من أفراد هذا الكيان المبارك، وأن أحظى بشرف العمل مع هذه النخبة المتميزة من الإخوة والأخوات الذين جعلوا خدمة الحاج رسالة قبل أن تكون مسؤولية. وقد رأيت عن قرب كيف تتحول ساعات العمل الطويلة إلى لحظات رضا حين تُرسم البسمة على وجه حاج، وكيف تصبح الدعوات الصادقة التي يلهج بها ضيوف الرحمن أعظم مكافأة يمكن أن ينالها العامل في هذا المجال الشريف.
لقد أدركت من خلال هذه التجربة أن خدمة الحجاج لا تُقاس بعدد المهام المنجزة، بل بما يُغرس في القلوب من أثر، وما يتحقق للحاج من طمأنينة وراحة وسكينة وهو يؤدي مناسكه. وهي معانٍ لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من وفقه الله لأن يكون جزءاً من هذه الرسالة المباركة.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود من العطاء، تواصل الإخلاص المتحدة لخدمات حجاج الداخل مسيرتها بثبات، مستندة إلى إرث أصيل، وإدارة واعية، وكوادر مؤهلة، ورسالة راسخة لم تتغير منذ أن بدأت: أن يكون الحاج في مقدمة الاهتمام، وأن تُبذل كل الجهود لخدمته ورعايته وتمكينه من أداء نسكه في أجواء يسودها الأمن والراحة والطمأنينة.
ولعل أجمل ما يرجوه العاملون في هذا الميدان المبارك أن يكونوا ممن شملهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من دل على خير فله مثل أجر فاعله”، فهم يسهمون في تيسير الطاعة وإعانة الحجاج على أداء شعائرهم، راجين من الله القبول والتوفيق.
رحم الله الشيخ مناحي بن سعيد الأكلبي رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في موازين حسناته، وبارك في أبنائه وإخوانهم ومنسوبي هذا الكيان المبارك كافة من رجال ونساء، وأدام على هذه البلاد المباركة شرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وجعل كل جهد يُبذل في خدمة ضيوف الرحمن عملاً متقبلاً وخالصاً لوجهه الكريم.
فهناك أعمال تنتهي بانتهاء أصحابها، وهناك أعمال يكتب الله لها البقاء لأنها قامت على الإخلاص. والإخلاص المتحدة واحدة من تلك القصص التي ما زالت تروي للأجيال كيف يمكن لفكرة صادقة سكنت قلب رجل صالح ان تتحول الى مسيرة عطاء تمتد لعقود وتبقى آثارها .




