العيد يبدأ من البيت

ذكرى الشبيلي -

تخيّل أن تشرق شمس أول أيام العيد، وتتعالى تكبيرات الفرح في أرجاء المنزل، فيما تعبق رائحة القهوة والهيل، وتزدحم اللحظات بضحكات العائلة وقبلات المعايدة على جبين الوالدين… ثم تقارن ذلك بمشهد آخر؛ طابور طويل أمام مقهى مزدحم، وصور تُلتقط على عجل لتنشر في مواقع التواصل تحت عناوين براقة، بينما يغيب دفء البيت وروح العيد الحقيقية.

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر ظاهرة لافتة؛ حيث يفضّل البعض قضاء الساعات الأولى من العيد خارج المنزل، بين المقاهي والاستراحات أو مع الأصدقاء، وكأن العيد مجرد مناسبة للخروج والتصوير، لا مناسبة للصلة والاحتواء العائلي.

المشكلة هنا ليست في الخروج ذاته، بل في توقيته ومعناه. فهناك فرق كبير بين “الإجازة” و”العيد”. الإجازة وقت شخصي قد يقضيه الإنسان كما يشاء، أما العيد فهو مناسبة دينية واجتماعية تقوم على لمّ الشمل وصلة الرحم وإحياء مشاعر الألفة داخل الأسرة.

حين يغادر الابن منزله منذ الساعات الأولى للعيد، فهو قد يفوّت أشياء لا تُعوّض:

– فرحة الوالدين باجتماع الأبناء حولهم. – اللحظات العفوية التي تتحول لاحقًا إلى أجمل الذكريات. – روح العيد الحقيقية التي لا تُصنع في المقاهي بقدر ما تُصنع داخل البيوت.

ومن المؤلم أن تتحول بعض مظاهر العيد إلى سباق للظهور في “الستوري” والصور، بينما يبقى الأهل في انتظار جلسة قصيرة أو معايدة دافئة. فالعلاقات الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور، بل بالقرب والاهتمام والمشاركة الصادقة.

ما يراه البعض نوعًا من التجديد أو الاستقلالية، قد يترك أثرًا صامتًا في نفوس الوالدين والأقارب ويجعل العيد يبدو كأي عطلة عابرة بلا روح ولا خصوصية.

العيد يتسع للجميع، والأصدقاء لهم أوقات كثيرة طوال العام، لكن لأول العيد مكانة مختلفة؛ فهو للأهل أولًا، لمن كانوا سببًا في هذه الطمأنينة، ولمن ينتظرون وجودك بينهم أكثر من أي شيء آخر.

في النهاية ستظل المقاهي مفتوحة كل يوم، لكن بعض اللحظات العائلية لا تتكرر، وبعض الوجوه التي نستقبل بها العيد اليوم قد نفتقدها غدًا. لذلك اجعلوا أول العيد لأهلكم، فهناك تبدأ البركة، ومن هناك تولد أجمل معاني العيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى