ملاذُ الأفكارِ في وسطِ الصمت

يمتلكُ بعضُ البشر قدرةً سحريةً على مغادرةِ العالم دون أن يتحركوا شبرًا واحدًا. يجلسُ أحدهم في زاويةِ مقهى، وبينما يظنّه العابرون غارقًا في الصمت، يكون في الحقيقة يشيّدُ مدنًا من النور، أو يخوضُ حوارًا دافئًا مع أشخاصٍ لا تراهم سوى عينُ خياله. فالخيالُ الواسع ليس مجرّد هروبٍ من الواقع، بل هو زادُ الروح، وصديقُ العزلةِ الأوفى.
وفي زمنٍ تسارعت فيه وتيرةُ الحياة، يغدو الخيالُ نافذةً سرّيةً نحو فضاءٍ لا تنتهي رحابُه. إنه يمنحُ صاحبه استغناءً جميلًا؛ فكلُّ مشهدٍ عابرٍ قد يكون بدايةَ حكاية، وكلُّ فكرةٍ تراوده قادرةٌ على أن تحوّل الرتابةَ إلى شغفٍ متجدّد.
والذين يُنعم الله عليهم بخيالٍ خصبٍ لا يعرفون الوحدةَ بمعناها الحقيقي؛ لأن عقولهم تعجُّ بالرؤى والصور التي تؤنس وحشتهم، وتمنحُهم عالمًا خاصًّا يلجؤون إليه حين يضيقُ بهم الواقع. إنهم يدركون أن الواقع، مهما اتّسعت مساحاته، قد يبقى محدودًا، بينما الخيالُ سماءٌ بلا قيود، يربّتُ على كتفك حين تصمتُ الأصوات، ويمنحُك رفيقًا حين يغيبُ الرفاق.
هنيئًا لمن يمتلكُ في رأسه مجرّةً كاملة، يهربُ إليها كلما احتاج إلى صديقٍ يفهمه، أو إلى مساحةٍ لا تحدّها الجدران، ولا تضيقُ بها الأمكنة.




