من واقع مغلوط

هناء الخويلدي -

أحيانا لا نعيش الحقيقة بل نعيش تفسيرنا لها نرى ما حدث ثم نمنحه معنى من عندنا ونكرر المعنى حتى يصبح في أعيننا حقيقة.
وهكذا قد يكون الواقع صحيحا لكن قراءتنا له مغلوطة نظن أن الصمت تجاهل وأن التأخر إهمال وأن الرحيل خسارة وأن إغلاق باب ما نهاية الطريق بينما قد يكون لكل حدث وجه لا نراه ولكل موقف معنى يتغير حين تتسع الرؤية المشكلة ليست دائما فيما يحدث لنا بل في الحكم الذي نصدره عليه.
فقد نخسر فرصة فنحسبها نهاية ثم نكتشف أنها كانت بداية أخرى وقد يبتعد شخص فنراه تخليا بينما لا نعرف الحكاية كاملة
وقد نتعثر في طريق فنظنه فشلا بينما يكون التعثر تنبيها إلى طريق لا يشبهنا نحن نميل إلى تحويل التجربة إلى قاعدة نخدعنا خيبة واحدة فنقول إن الناس لا يؤتمنون ويخذلنا موقف فنظن أن الحياة كلها خذلان ثم نحمل هذه الأحكام معنا وننظر إلى العالم من خلالها وهنا تكمن الحكمة في أن نترك مسافة بين الحدث وتفسيره أن نسأل ماذا أعرف يقينا وماذا أظن ماذا رأيت فعلا وماذا أضاف إليه عقلي فليس كل ما يتكرر صحيحا وليس كل ما اعتدناه حقيقة قد تكون بعض القناعات مجرد أفكار ورثناها وبعض المخاوف مجرد تجارب قديمة وبعض الأحكام مجرد لحظة لم نراجعها والحياة لا تمنحنا دائما القدرة على اختيار ما يحدث لكنها تمنحنا مساحة لاختيار نظرتنا إليه.
وهذه المساحة الصغيرة قد تغير كثيرا من علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبما يحدث لنا لذلك ربما لا نحتاج دائما إلى تغيير الواقع بقدر حاجتنا إلى مراجعة الصورة التي صنعناها عنه فالحكمة ليست أن نصدق كل ما نراه ولا أن نشك في كل ما نراه بل أن نعرف الفرق بين الواقعة والحقيقة وبين ما حدث وما ظنناه حدثا فبعض الحقائق تحتاج إلى شجاعة لنواجهها وبعض الأوهام تحتاج إلى شجاعة أكبر لنتخلى عنها وربما يبدأ الطريق إلى الحقيقة حين نسأل أنفسنا بصدق هل أعيش الواقع كما هو أم أعيش الرواية التي صنعتها عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى