يا حبيبي… الكلمة الطيبة ليست استباحة

«يا حبيبي»… كلمتان قد تقولهما الشفاه عابرتين بينما قد تتركهما الروح في قلب إنسانٍ طويلًا. قد تُقال من باب العادة أو التربية أو المبدأ أين كان موقع قائلها أو مكانته أو وقته أو أو حتى جنسيته ولندرك أن بعض الناس اختاروا أن يجعلوا من اللطف لغةً لهم
والكلمة الطيبة ليست دعوةً إلى تجاوز الحدود ولا تصريحًا بالاستباحة ولا بابًا يُفتح لمن أراد أن يضع افتراضاته وأحكامه على صاحبها فلماذا نُفسد جمال الأشياء بحكمٍ مسبق؟
لماذا حين يسمع بعضنا كلمةً لطيفة يبحث أولًا عن النية الخفية خلفها بدل أن يرى جمالها كما قيلت؟ لماذا أصبحنا نخاف من طيبة اللفظ وكأن حسن الكلام ضعف وكأن الاحترام اعترافٌ بشيء آخر؟
إننا أحيانًا لا نحاكم الكلمات بل نحاكم أصحابها من خلال مخاوفنا نضع الإنسان داخل قفصٍ صنعناه في أذهاننا ثم نطلب منه أن يثبت براءته من تهمةٍ لم يرتكبها أصلًا
والدين الذي علّمنا حسن الخلق وجمال القول أوليس نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .. وإكرام الإنسان لم يجعل اللطف حكرًا على جنسٍ دون آخر ولا على لونٍ دون لون ولا على جنسيةٍ دون جنسية الإنسان إنسان والكلمة الجميلة لا تحتاج إلى بطاقة هوية
حين تقول لإنسان: «يا حبيبي» أو «يا عزيزي» أو «الله يسعدك» قد لا تكون قد فتحت بابًا لعلاقة بل ربما فتحت نافذةً في جدارٍ كان يختنق خلفه فرب كلمةٍ لطيفة أطفأت غضبًا ورب كلمةٍ حانية أعادت لإنسانٍ شيئًا من نفسه ورب جملةٍ قيلت في وقتها منعت خصومةً وأغلقت باب شر وجبرت قلبًا كان على وشك الانكسار
فهل سينقص منك شيء إن كنت لطيفًا؟ هل ستخسر من هيبتك إن احترمت من أمامك؟وهل يصبح الإنسان مستباحًا لمجرد أنك خاطبته بكلمة جميلة؟ لا
اللطف خُلق والحدود خُلق والاحترام خُلق، يمكن للإنسان أن يكون رقيقًا دون أن يكون متجاوزًا وأن يكون حنونًا دون أن يكون مستباحًا وأن يقول كلامًا جميلًا دون أن يمنح أحدًا حقًا ليس له وهنا تكمن الفكرة التي نحتاج أن نفهمها: الكلمة الطيبة ليست عقد ملكية وليست رخصة للعبور إلى ما لا يحق لك إذا قال لك أحدهم «يا حبيبي» فلا تأخذ من الكلمة أكثر مما أعطاك صاحبها ولا تجعل لطفه امتيازًا لك ولا تحوّل رقيّه إلى فرصةٍ للاستحقاق فليس كل دفءٍ دعوة وليس كل حنانٍ وعدًا وليس كل كلمة جميلة اعترافًا بشيء آخر وفي المقابل لا تجعل خوفك من سوء الفهم يجعلك إنسانًا قاسيًا جافًا يحسب كل حرف قبل أن ينطق به حتى يفقد أجمل ما فيه
نحن بحاجة إلى أن ننقّي أنفسنا قبل أن نفتّش عن نوايا الآخرين أن نُحسن الظن وأن نترك للناس مساحةً ليكونوا كما هم لا كما صنعتهم ظنوننا فكم من إنسانٍ كان كل ما يريده حين قال كلمةً جميلة هو أن يترك أثرًا جميلًا
وكم من قلبٍ احتاج أن يسمعها وكم من روحٍ كانت تنتظر كلمةً واحدة لتتذكر أن الدنيا رغم قسوتها ما زال فيها شيءٌ من الرحمة فلنعد إلى إنسانيتنا قليلًا
لنقل الكلام الجميل دون خوف ولنستقبله دون سوء ظن .. لنكن لطفاء… دون أن نتجاوز وحازمين… دون أن نقسو .. ومحترمين… دون أن نفتّش في كل كلمة عن تهمة لأن أجمل ما في الإنسان ليس قدرته على أن ينتصر في كل حديث بل قدرته على أن يخرج من حديثه وقد ترك في قلب الآخر شيئًا من السلام وربما كانت الكلمة التي ظننت أنها عابرة… هي الشيء الجميل الوحيد الذي حدث لإنسانٍ ما في ذلك اليوم




