فسيكفيكهم الله
حين يصبح القلم حصنًا للوطن والكلمة عهدًا لا ينكسر ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ليست كل معارك الأوطان تُخاض في ميادين القتال وليست كل أسلحة الدفاع عنها تُحمل في الأيدي فثمة معارك تُخاض في العقول والضمائر وثمة أقلام تقف في وجه الفتن وكلمات صادقة تُحبط مخططات ومواقف وطنية تحفظ للأوطان تماسكها حين تحاول العواصف أن تنال منها.
ومن هنا تتجلى عظمة الآية الكريمة ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ بوصفها بابًا للطمأنينة والثقة بالله وتذكيرًا بأن القوة الحقيقية لا تنفصل عن الإيمان والحكمة والثبات على الحق. فالله سميع لما يُقال عليم بما تُضمره الصدور ولا تخفى عليه نوايا المفسدين ولا تدابير المعتدين.
وفي زمن الحرب حين تتعرض المملكة العربية السعودية للتحديات لا يصبح الدفاع عن الوطن مسؤولية الجندي وحده بل مسؤولية كل مواطن يعرف قيمة الأرض التي ينتمي إليها وكل كاتب يدرك أن كلمته ليست حبرًا على ورق وكل إعلامي يعلم أن رسالته أمانة وأن ما ينشره قد يرفع الوعي أو يفتح أبوابًا للارتباك والفتنة قد لا نحمل السلاح لكننا نحمل ما لا يقل أهمية عنه في معارك الوعي؛ نحمل الكلمة الصادقة والمعلومة الموثوقة والموقف المسؤول والقدرة على حماية العقول من التضليل والقلوب من الكراهية والصف الوطني من التصدع إن أخطر ما قد تواجهه الدول ليس ما يأتيها من خارج حدودها فحسب بل ما قد يتسلل إلى داخلها حين تنجح الفتن في تحويل أبناء الوطن الواحد إلى خصوم وحين تصبح الشائعة أقوى من الحقيقة في أذهان الناس ويعلو صوت التحريض على صوت الحكمة ويتحول الاختلاف إلى عداوة والقلق إلى اتهامات والخوف إلى وسيلة لتمزيق الثقة بين المواطن ووطنه.
فكم من مجتمع أضعفته الانقسامات قبل أن تضعفه الحروب وكم من دولة وجدت في تماسك شعبها حصنًا عصيًّا على الاختراق.
إن التاريخ يعلّمنا أن الجبهات الداخلية حين تتصدع تمنح خصوم الأوطان فرصًا لم يكونوا ليجدوها لو بقي أبناؤها صفًا واحدًا ولذلك فإن اللحمة الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الشدائد ثم يُنسى بل وعيٌ يُمارس ومسؤوليةٌ تُحمل وعهدٌ يتجدد كلما اشتدت الظروف أن نختلف دون أن نتباغض وأن نتساءل دون أن نتهم وأن نتحقق قبل أن ننشر وأن نرفض تحويل المخاوف إلى وقود للفتنة وأن نضع مصلحة المملكة فوق الرغبات الشخصية والمناكفات العابرة؛ تلك صور من صور الدفاع عن الوطن لا تقل أهمية عن أي موقف آخر يُثبت الانتماء إليه أيها الكاتب أيتها الإعلامية أيها المواطن ليست الكلمة الصادقة موقفًا عابرًا في زمن الحرب بل أمانة قد يتوقف عليها وعي مجتمع بأكمله لا تجعلوا أقلامكم جسورًا تعبر عليها الشائعات ولا منابر تتكاثر فوقها الانقسامات ولا أصواتًا تمنح التضليل حياة جديدة بتداوله.
اجعلوا من أقلامكم حصونًا للوعي ومن منصاتكم مساحات للحقيقة ومن حضوركم الإعلامي قوةً تحمي وحدة المجتمع وتدعم استقراره.
انقلوا ما تثبت صحته وصححوا ما يتضح خطؤه وواجهوا التضليل بالحجة لا بالتضليل المضاد واحفظوا للناس حقهم في المعرفة دون أن تمنحوا المعتدين فرصة لاستغلال عواطفهم أو بث الذعر في نفوسهم إن الكلمة التي تنطلق من وعي لا من انفعال ومن صدق لا من مصلحة ومن محبة للوطن لا من رغبة في الظهور تستطيع أن تسهم في إغلاق ثغرات كثيرة يحاول العابثون النفاذ منها.
فليس كل صمت حكمة وليس كل حديث بطولة البطولة أن تعرف متى تتكلم وماذا تقول وكيف تحمي الحقيقة دون أن تسيء إلى وطنك أو تظلم إنسانًا. فالوطنية الحقيقية لا تعني تبرير الخطأ بل تعني الحرص على إصلاحه ولا تعني إلغاء الاختلاف بل تعني ألّا نسمح للاختلاف أن يتحول إلى سلاح يمزق وحدتنا.
والمملكة العربية السعودية ليست مجرد حدود على خارطة بل وطن تتجذر فيه ذاكرة الأجيال وتلتقي على أرضه تطلعات أبنائه وتجمعهم مسؤولية صون أمنه واستقراره ومستقبله وحين نحب هذا الوطن فإننا لا نحبه في أوقات الرخاء وحدها بل نثبت صدق محبتنا في أوقات الشدة بالوعي والانضباط والتكاتف واحترام الأنظمة والثقة بالله والوقوف مع مؤسسات الدولة في أداء مسؤولياتها والابتعاد عن كل ما يغذي الفوضى أو يهدد السلم الأهلي وليس معنى التوكل أن ننتظر الحماية دون أن نأخذ بأسبابها ولا معنى الثقة بنصر الله أن نتخلى عن مسؤولياتنا بل إن الإيمان يدعونا إلى العمل والأخذ بالأسباب وإلى أداء واجبنا بإخلاص ثم تفويض الأمر إلى الله.
نحصّن وعينا ونحفظ وحدتنا ونحمي مجتمعنا من الفتن وندعم كل جهد صادق يصون أمن الوطن وكرامة الإنسان ونترك لله ما لا نملك ونعمل بما نستطيع إن الذين يريدون للأوطان أن تسقط قد يراهنون على انقسام أبنائها وعلى أن ينسى الناس ما يجمعهم فينشغلوا بما يفرقهم. لكنهم يخسرون رهانهم حين يدرك المواطن أن اختلاف الآراء لا يلغي وحدة المصير وأن قوة الوطن لا تُقاس بغياب التحديات بل بقدرته على مواجهتها متماسكًا واعيًا وحين تتحد الكلمة مع الموقف ويجتمع القلم مع الضمير ويقف المواطن إلى جانب وطنه بعقلٍ يقظ وقلبٍ ثابت تضيق المساحات أمام الفتنة وتفقد الشائعة قدرتها على صناعة الخوف ويصبح المجتمع أكثر مناعةً في وجه محاولات التفكيك سنكتب لأن للكلمة واجبًا وسنقول الحقيقة لأن الصدق موقف وسنحمي الوعي لأن العقول الواعية خط الدفاع الأول عن الأوطان لن نكون أدوات في أيدي من يريدون الفرقة ولن نمنح الفوضى أصواتنا ولن نسمح للخلافات أن تنتزع منا نعمة الاجتماع على وطن واحد سنختلف بوعي ونتحاور باحترام ونتكاتف حين تستدعي المصلحة الوطنية ذلك فالأوطان لا يحميها الصراخ بل يحميها وعي أبنائها ولا يقويها التخوين بل يقويها العدل والثقة والمسؤولية.
وفي نهاية المطاف تبقى الآية الكريمة وعدًا نؤمن به ونستمد منها الطمأنينة والثبات: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ نؤمن بأن الله خير حافظًا وأن تدبيره فوق كل تدبير لكننا نعلم أيضًا أن حب الوطن ليس دعاءً باللسان فحسب بل عملٌ يصدقه السلوك وموقفٌ تثبته الشدائد وكلمةٌ تحرس الحقيقة حين تشتد الفتن يا أبناء المملكة ليكن كل واحد منا جنديًا في ميدانه الجندي يحمي الحدود والكاتب يحمي الوعي والإعلامي يحمي الحقيقة والمواطن يحمي وحدة المجتمع من كل ما يهددها ولتكن أقلامنا عهدًا لا ينكسر وكلماتنا جسورًا لا خنادق واختلافاتنا مساحةً للفهم لا أبوابًا للفرقة فسيكفينا الله ما دمنا نلوذ به ونعمل بالأسباب ونحفظ الأمانة ونقف مع الحق ولن نمنح من يتربص بوطننا ثغرةً يصنع منها انقسامًا ولا كلمةً يحوّلها إلى فتنة ولا خلافًا يستثمره في تمزيق صفنا فالوطن الذي يتماسك أبناؤه بوعيهم ويتسلحون بصدقهم ويستمدون قوتهم من إيمانهم لا يكون سهلًا على من يريد به سوءًا حفظ الله المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا وأرضًا وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها ورد عنها كيد المعتدين وألّف بين قلوب أبنائها وجعل أقلامنا وأصواتنا وأعمالنا في صف الحق وفي خدمة الوطن والإنسان.




