من تحديات الاستقدام إلى استقطاب الكفاءات.. لقاء إعلامي تقيمه السفارة الإثيوبية

في لقاء تجاوز الطابع البروتوكولي إلى حوار صريح تناول قضايا تمس مسارات العلاقات السعودية الإثيوبية، استضافت سفارة جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية لدى المملكة لقاءً إعلامياً بمقرها في الرياض، بحضور سعادة السفير أول وقريس محمد، القائم بالأعمال بالإنابة، ونخبة من الإعلاميين والمستشارين وكتّاب الرأي السعوديين.
وناقش اللقاء عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، في مقدمتها مستجدات استقدام العمالة الإثيوبية والهجرة غير النظامية، وآفاق تطوير التعاون الإعلامي والثقافي، إلى جانب التحولات التي تشهدها العلاقات بين البلدين في مجال استقطاب الكفاءات المهنية المتخصصة.
وقد تصدّر ملف استقدام العمالة المنزلية الإثيوبية النقاش، في أعقاب ما تداولته تقارير إعلامية قبل اللقاء بساعات بشأن توجيه شركات ومكاتب الاستقدام في المملكة بإلغاء عقود استقدام العمالة المنزلية من إثيوبيا المبرمة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وإعادة المبالغ المدفوعة للعملاء، على خلفية تغييرات إجرائية وتعليق أعمال عدد من مكاتب الاستقدام الإثيوبية.
وفي تعليقه على الملف، أكد السفير أن الموضوع يحظى باهتمامه ومتابعته، وأن محادثات جارية مع مسؤولين في بلاده لمعالجته، معرباً عن تفاؤله بالتوصل إلى حل قريب.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة لارتباطه بمصالح الأسر السعودية وحقوق المستفيدين والعاملين ومكاتب الاستقدام، الأمر الذي يتطلب تنسيقاً بين الجهات المعنية في البلدين لضمان استقرار الإجراءات واستئناف التعاملات وفق الأطر النظامية.
وحظي ملف الهجرة غير النظامية للمواطنين الإثيوبيين إلى المملكة بحضور لافت في الحوار، إذ تحدث السفير بصراحة عن ارتباط شريحة من الإثيوبيين بالمملكة، معتبراً أن شعورهم بالأمان وطبيعة تعامل المجتمع السعودي من العوامل التي تعزز رغبتهم في القدوم إليها.
وأشار إلى أن بعض الدول قد توفر فرصاً مادية أكبر، إلا أن المهاجرين يضعون في اعتبارهم أيضاً طبيعة الحياة وظروف التعامل التي قد يواجهونها، لافتاً إلى ما وصفه بالرحمة والإنسانية في تعامل المملكة مع المخالفين عند ضبطهم وترحيلهم.
وأكد دعم بلاده للجهود الأمنية السعودية وتأييدها لمشروع «وطن بلا مخالف»، مشدداً على أهمية التعاون مع السلطات السعودية في هذا المجال.
وتبرز هذه التصريحات أهمية استمرار التنسيق بين البلدين لمعالجة الهجرة غير النظامية، بما يدعم احترام الأنظمة ويحفظ كرامة الإنسان ويعزز التعاون الأمني المشترك.
وفي جانب حمل دلالات ثقافية وإنسانية، أشار السفير إلى وجود أكثر من مليون إثيوبي يعملون في المملكة، معتبراً أنهم يمثلون، عند عودتهم إلى بلادهم، سفراء ينقلون تجاربهم وما تعرفوا عليه من ثقافة المجتمع السعودي وتراثه وقيمه.
وقال إن ما لمسه من المجتمع السعودي يعكس صفات الضيافة والود وحسن التعامل، مؤكداً أن تجربة الإقامة والعمل في المملكة يمكن أن تسهم في بناء جسور من التفاهم والتقارب بين الشعبين.
ويبرز هذا الطرح البعد الإنساني للعلاقات السعودية الإثيوبية، التي لا تقتصر على الاتفاقيات والمصالح الاقتصادية، بل تمتد إلى التجارب الاجتماعية والثقافية التي يحملها الأفراد معهم إلى أوطانهم.
وفي تطور لافت، أشار السفير إلى موافقة المملكة على استقدام العمالة الإثيوبية الماهرة والمتخصصة، بما يشمل الأطباء والمهندسين والفنيين والمستشارين، في تحول يتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالعمالة المنزلية.
ويفتح هذا التوجه، وفق ما طُرح خلال الحوار، مجالاً أوسع أمام الكفاءات الإثيوبية للمساهمة في قطاعات مهنية متنوعة داخل المملكة، ويعزز فرص تطوير التعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل السعودي والأنظمة المنظمة للاستقدام.
ويعكس توسيع مجالات الاستقدام لتشمل الكفاءات المتخصصة بُعداً جديداً في العلاقة بين البلدين، يقوم على الاستفادة من الخبرات المهنية إلى جانب الروابط الاقتصادية القائمة.
ولم يغب البعد الإعلامي عن اللقاء، إذ رحّب السفير بمقترح تعزيز التواصل بين الإعلاميين السعوديين والإثيوبيين، داعياً إلى تنظيم زيارات إعلامية إلى إثيوبيا للتعرف عن قرب على مقوماتها الحضارية والثقافية والسياحية.
وأكد أهمية هذه الزيارات في إتاحة الفرصة أمام الإعلاميين لاكتشاف جوانب متعددة من إثيوبيا وشعبها، وتصحيح الصور النمطية التي قد تتشكل نتيجة محدودية المعرفة أو الاعتماد على انطباعات غير مكتملة.
ويمثل هذا المقترح فرصة لبناء شراكات إعلامية مستدامة، وتبادل الخبرات والتجارب، وإنتاج محتوى مهني يعرّف المجتمع السعودي بالمقومات الإثيوبية، ويتيح في المقابل نقل صورة أوسع عن المملكة ونهضتها الثقافية والتنموية.
كما تناول الحوار عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، الممتدة إلى عهد النجاشي، وما تحمله من رصيد تاريخي يمكن البناء عليه لتعزيز التواصل الثقافي والإعلامي في المرحلة المقبلة.
واختُتم اللقاء بمأدبة عشاء أقامها السفير تكريماً للوفد الإعلامي في مقر السفارة بالرياض، في أجواء عكست روح الود والاحترام المتبادل.
ويؤكد اللقاء أن العلاقات السعودية الإثيوبية تمتلك فرصاً أوسع للتطور، تبدأ بمعالجة تحديات الاستقدام والهجرة غير النظامية، وتمتد إلى استقطاب الكفاءات المتخصصة وتعزيز التعاون الإعلامي والثقافي. وهي مسارات من شأنها أن تنقل العلاقة بين البلدين إلى آفاق أكثر تنوعاً، وتمنح الإعلام دوراً فاعلاً في بناء الثقة وتقريب الشعوب.





