نريد أن نعيش، لا أن ننتظر الحياة

فاتن الوادعي -

هناك مرحلة في حياة الإنسان لا يعود فيها يبحث عن شيء محدد، بقدر ما يبحث عن شعور افتقده؛ شعور أن حياته تتحرك، وأن الأيام تحمل له شيئًا يستحق أن يستيقظ من أجله.

يخرج إلى الأماكن، يجرّب تغيير الأجواء، يتأمل الوجوه والطرقات، وربما يعود إلى منزله كما ذهب، دون أن يجد ما كان يبحث عنه. لا يعرف إن كان يبحث عن فرصة، أم عن بداية، أم عن نسخة من نفسه يشعر أنها ما زالت تنتظر أن تظهر إلى الحياة.

نحن لا نريد الكثير كما قد يبدو للآخرين. نريد أن نعمل، أن نتعلم، أن نكسب رزقنا، أن تكون لنا مساحة نقرر فيها ما نريد، وأن نشعر بأن وجودنا يصنع فرقًا، ولو كان صغيرًا. نريد أن تمر الأيام ونحن نضيف إليها شيئًا، لا أن نكتفي بمراقبتها وهي تمر.

لكن ماذا يحدث حين تكون الرغبة موجودة، والاستعداد للمحاولة حاضرًا، بينما تبدو الطرق مغلقة؟

تبحث عن عمل، فلا تجد فرصة تناسب ظروفك. تفكر في مشروع، فتكتشف أن البداية تحتاج إلى مال لا تملكه. تريد أن تتعلم، أو تغير مسارك، أو تخرج من الدائرة التي اعتدت عليها، فتجد أن كل خطوة تحتاج إلى إمكانات تبدو أبعد مما تستطيع الوصول إليه الآن.

ومع الوقت، قد يبدأ الإنسان في التساؤل عن نفسه، بدلًا من التساؤل عن الظروف المحيطة به. هل ينقصني شيء؟ هل تأخرت؟ لماذا يبدو ما أريده ممكنًا للآخرين، بينما أجد الوصول إليه صعبًا إلى هذا الحد؟

وربما هنا تكمن إحدى أكثر اللحظات التي تحتاج إلى انتباهنا: حين تتحول صعوبة الطريق في أعيننا إلى حكم على قدرتنا، وحين نخلط بين قلة الفرص وقلة الإمكانات التي نملكها.

ليس كل من لم يجد فرصة يفتقر إلى القدرة، وليس كل من تأخر في تحقيق هدفه يفتقر إلى الطموح. أحيانًا تكون المسافة بين الإنسان وما يريد أطول مما تسمح به ظروفه، وأحيانًا يحتاج إلى من يفتح له بابًا، أو يدله على طريق لم يعرفه، أو يمنحه فرصة واحدة يثبت فيها ما يستطيع فعله.

ولهذا، لا ينبغي أن نختصر كل تعثر في نصيحة تقول للإنسان: حاول أكثر. فبعض الناس يحاولون بالفعل، لكنهم يحتاجون إلى فرص حقيقية، وإلى طرق يمكن الوصول إليها، وإلى أن يصبح العمل والتعلم وبناء المستقبل أمورًا ممكنة، لا مجرد أمنيات جميلة.

ومع ذلك، يبقى في الإنسان متسع للمحاولة، حتى حين لا يملك تغيير كل الظروف من حوله. قد لا يستطيع فتح جميع الأبواب، لكنه يستطيع أن يبحث عن مدخل مختلف، أو يتعلم مهارة تقرّبه من فرصة، أو يبدأ بخطوة صغيرة لا تحل مشكلاته كلها، لكنها تمنحه شيئًا يتحرك نحوه.

لسنا مطالبين بأن نصنع تحولًا كبيرًا في حياتنا كل يوم. أحيانًا يكفي أن نعرف أن هناك خطوة تالية، وأن الطريق الذي لم يتضح بعد ليس بالضرورة طريقًا مستحيلًا.

وربما نحن بحاجة إلى أن نعيد النظر في معنى الحياة التي نريدها. فليست الحياة الحية بالضرورة حياة مليئة بالأحداث والإنجازات الكبيرة؛ قد تبدأ حين يصبح لدينا عمل ننتظره، أو هدف نتعلم من أجله، أو فكرة نعمل على تطويرها، أو شيء صغير نشعر أنه ينمو بأيدينا.

نحن لا نريد أن نقضي أعمارنا في انتظار الظروف المثالية، ولا نريد في الوقت نفسه أن نُلام لأن الظروف لم تكن مثالية. نريد مساحة عادلة للمحاولة، وفرصة تتناسب مع قدراتنا، وإيمانًا بأن الإنسان يستطيع أن يغيّر بعض ما هو عليه، حتى إن لم يستطع تغيير كل ما حوله.

فالحياة لا تصبح أوسع لأننا تمنينا ذلك، لكنها قد تتسع حين تتاح لنا الفرص، وحين نكتشف طرقًا جديدة، وحين نتوقف عن اعتبار ما لم نصل إليه حتى الآن نهاية لكل ما يمكن أن نصل إليه.

لسنا بحاجة إلى أن نقنع أنفسنا بأن كل شيء سهل، بل أن نؤمن بأن الصعوبة لا تعني استحالة الطريق، وأن حياتنا لا تزال تستحق المحاولة، حتى في الأيام التي لا نعرف فيها من أين نبدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى