استشاري نفسي يحذّر: الاحتراق الوظيفي ليس مشكلة شخصية.. وبيئة العمل قد تكون السبب

حذّر استشاري الطب النفسي الدكتور عبدالإله الحديثي من التعامل مع ظاهرة الاحتراق الوظيفي باعتبارها مشكلة شخصية لدى الموظف، مؤكداً أن الدراسات تشير إلى ارتباطها بدرجة أكبر بضغوط العمل المزمنة، وارتفاع أعباء العمل، ونقص الموارد والدعم، إلى جانب وجود اختلالات في بعض جوانب بيئة العمل.
وأوضح الحديثي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، أن منظمة الصحة العالمية تعرّف الاحتراق الوظيفي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية، هي الإنهاك، والتباعد أو السلبية تجاه العمل، وتراجع الكفاءة المهنية.
وأشار إلى أن الدراسات حددت عدداً من العوامل المرتبطة بارتفاع مخاطر الاحتراق الوظيفي، من أبرزها استمرار ارتفاع عبء العمل وضغط الوقت، وعدم توازن ساعات العمل والمناوبات، فضلاً عن ضعف التحكم والاستقلالية، ونقص دعم المديرين والزملاء، وسوء التواصل، والصراعات والتنمر، وغياب الأمان النفسي داخل بيئة العمل.
وأضاف أن الشعور بغياب العدالة في توزيع المهام والترقيات والمكافآت، وضعف التقدير المادي والمعنوي، وغموض الأدوار وتعارض التعليمات، والتغييرات التنظيمية المتكررة من دون إشراك الموظفين، تمثل عوامل أخرى قد تزيد من احتمالات الإصابة بالاحتراق الوظيفي، إلى جانب انعدام الأمان الوظيفي والقلق المستمر بشأن النقل أو فقدان الوظيفة.
وبيّن أن تعارض متطلبات العمل مع القيم المهنية، وارتفاع الأعباء العاطفية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم وخدمة الجمهور، فضلاً عن امتداد متطلبات العمل إلى الحياة الخاصة وعدم كفاية فترات الراحة والتعافي، تعد من العوامل التي قد تسهم كذلك في تفاقم الظاهرة.
ولفت الحديثي إلى أن مراجعة منهجية شملت 25 دراسة طولية وجدت ارتباطاً بين ارتفاع متطلبات العمل وعبئه، وضعف التحكم والدعم والمكافأة والعدالة والأمان الوظيفي، وزيادة مستويات الإنهاك. في المقابل، برز الدعم والعدالة والاستقلالية بوصفها عوامل يمكن أن تسهم في الوقاية من الاحتراق الوظيفي.
وأوضح أن آثار الاحتراق الوظيفي لا تقتصر على الموظف، بل قد تمتد إلى صحته الجسدية والنفسية، وترتبط باضطرابات النوم وأعراض الاكتئاب والإرهاق المزمن وآلام العضلات ومشكلات الجهاز الهضمي، فضلاً عن ارتباطها بزيادة مخاطر بعض الأمراض القلبية والاستقلابية، وانخفاض مستوى الرضا والشعور بالمعنى المهني.
ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على الأفراد، إذ قد تتحمل المؤسسات أيضاً خسائر متعددة، تشمل انخفاض الإنتاجية، وزيادة الغياب والإجازات المرضية، وتراجع المبادرة والابتكار، وارتفاع احتمالات الأخطاء، وانخفاض رضا المستفيدين، إلى جانب زيادة احتمالات تسرب الكفاءات وارتفاع تكاليف استقطاب الموظفين وتدريبهم.
وفي القطاع الصحي، أشار الحديثي إلى تحليل شمل 42 ألفاً و473 طبيباً، ووجد ارتباطاً بين الاحتراق الوظيفي وارتفاع احتمالات وقوع حوادث تتعلق بسلامة المرضى، إلى جانب تراجع بعض مؤشرات المهنية ومستويات رضا المرضى.
كما استشهد بدراسة اقتصادية أمريكية قدّرت تكلفة احتراق الأطباء بنحو 4.6 مليارات دولار سنوياً، نتيجة ترك العمل وتقليل الساعات السريرية فقط، وهو ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي لهذه الظاهرة، إلى جانب تداعياتها المهنية والصحية.
وأكد أن دراسة الاحتراق الوظيفي في القطاع الصحي تحظى بأهمية خاصة، نظراً إلى أن تأثيراتها لا تطال الممارس الصحي وحده، وإنما تمتد إلى الغياب والتسرب الوظيفي، واحتمالات وقوع الأخطاء، وجودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى.
وأوضح أن أبرز مسببات الاحتراق الوظيفي لدى العاملين في القطاع الصحي تتمثل في ضغط العمل والمناوبات الطويلة، ونقص الكوادر، وارتفاع الأعباء العاطفية، وضعف الدعم الإداري، وقلة التقدير والاستقلالية، وغياب العدالة والأمان الوظيفي، إضافة إلى غموض المستقبل المهني والتغييرات التنظيمية غير الواضحة.
وشدد الحديثي على أن الاحتراق الوظيفي ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إنذاراً مبكراً بوجود خلل محتمل في تصميم العمل أو ثقافة المؤسسة، وليس مجرد مشكلة شخصية يمكن علاجها من خلال برامج إدارة الضغوط وحدها.
وأكد أن الوقاية الفعالة تبدأ من معالجة جذور المشكلة، عبر ضبط أعباء العمل، وتحسين أساليب القيادة، وتعزيز العدالة والاستقلالية والدعم، مع الاستفادة من برامج مساعدة الموظفين باعتبارها جزءاً مكملاً لمنظومة أوسع للوقاية.
وأشار إلى أن القياس الدوري لمستويات الاحتراق الوظيفي، خصوصاً في القطاع الصحي، يمكن أن يسهم في اكتشاف مصادر الضغط مبكراً، وحماية الممارسين الصحيين، وتحسين جودة الخدمات، والحد من الخسائر المرتبطة بالغياب والتسرب الوظيفي وفقدان الخبرات.




