أبتاه من يمسح دموعي

من قصص التاريخ المؤلمة ..

أحمد العطافي -

وقفت الطفلة شاهدة على واحدة من أكثر صفحات التاريخ إيلاما فبعد الواقعة المؤلمة سيقت مع السبايا إلى الشام لتعيش أيام قاسية فقدت فيها والدها وأهلها وهي لم تزل طفلة تتعلق بحنان أبيها . حيث استيقظت ذات ليلة وهي تنادي : “أين ابي لقد رأيته في المنام” فارتفع بكاؤها وبكى معها الأطفال والنساء حتى بلغ الخبر الطاقية فأمر بإحضار الرأس إليها فلما رأت الرأس الشريف ضمته إلى صدرها وهي تخاطبه بدموعها ثم اشتد بها الحزن حتى فارقت الحياة في خرابة الشام .

ولو أردنا أن نرسم حال لسانها في تلك اللحظات كان يقول : أبتاه من لليتيمة بعدك – أبتاه من يمسح دموعي إذا اشتد البكاء ؟ أبتاه خذوا منك الرأس وأخذوا منا الأمان ولم يبق لنا إلا الدعاء والصبر – أبتاه… ما أقسى الغربة وما أشد وحشة الخرابة .. وما أصعب أن تنام الطفلة على الحزن وتستيقظ على الفقد والألم والضياع .

لم تكن الخرابة مجرد مكان خال من السقوف والجدران إنما كانت عنوان لوحدة لم تعرفها طفلة في عمر الزهور تراقب السماء بعينيها وكأنها تنتظر أن يفتح لها والدها باب من الرحمة أو أن تسمع صوته الذي اعتادت أن تستمد منه الطمأنينة فكانت كل زاوية في الخرابة تروي قصة عطش وكل نسمة هواء تحمل الذكرى المؤلمة وكل دمعة تنحدر من عينيها تكتب صفحة جديدة من صفحات الصبر ولم تكن تسأل عن لعب أو زينة إنما كان سؤالها الوحيد: أين أبي؟

هكذا بقيت الطفلة مدرسة في الوفاء والحنين رغم قصر عمرها. فقد علّمت الأجيال أن المحبة الصادقة لا تنطفئ بالموت وأن المظلوم يبقى حيا في الضمائر وأن رسالة اباها لم تحملها السيوف وحدها إنما حملتها كذلك دموع الأطفال وصبر النساء .

إن ذكرى الطفلة ليست دعوة إلى الحزن المجرد وإنما هي دعوة لاستحضار قيم الرحمة والوفاء والصبر والثبات على المبادئ واستذكار ما حل بأهل بيتها من بلاء ليبقى الحق حاضرا في القلوب والعدل هدف تسعى إليه الإنسانية .

للتواصل / a-attafi@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى